المبادرات والمقترحات الغير رسمية لإصلاح الجامعة العربية

4 October, 2009 | القانون العام

المبادرات والمقترحات لإصلاح جامعة الدول العربية – الفصل الثاني :
المبحث الثاني: المبادرات والمقترحات الغير رسمية:
برزت إلى جانب المبادرات والمقترحات الرسمية المقدمة من اجل إصلاح وتطوير جامعة الدول العربية محاولات وجهود غير رسمية، من أجل الإسهام في هذا التغيير تجسد ذلك في شكل مبادرات ومقترحات تم طرحها ومناقشتها في مجموعة اللقاءات والندوات الفكرية، التي جمعت أبرز المفكرين في الوطن العربي، حيث سنقوم بالتعرض في هذا المبحث إلى ندوتي القاهرة واليمن كنموذج مع القيام بتسليط الضوء على مقترحات أخرى طالبت بإصلاح جامعة الدول العربية اقتداء بالتجربتين الأممية والأوربية.

المطلب الأول: مقترحات الإصلاح على ضوء ندوتي القاهرة 1994 واليمن 2004
تستدعي الأوجه المتعددة لمحدودية أداء الجامعة العربية، وانسداد مشروعها، وعدم فعاليتها وإخفاقاتها الثقيلة في ميزان الحياة السياسية الدولية الراهنة بضرورة توسيع مجال التفكير والبحث عن وسائل فعالة لإعادة الاعتبار للعمل العربي الإقليمي المؤسساتي والتنقيب عن إمكانية جديدة ومتجددة لتفعيل مختلف ونوعي في دور الجامعة العربية، أو على الأقل في خلق شروط توفر في آن واحد الحد الأدنى من الهيكلة والمأسسة، هذه المشاكل التي حاولت مجموعة من المفكرين لإيجاد حل لها من خلال طرح مجموعة من المقترحات في عدد من الندوات سنقتصر على نموذجين منها:

أولا: الندوة الفكرية بالقاهرة 1994
ثانيا: الندوة الفكرية باليمن 2004

أولا: ندوة مستقبل جامعة الدول العربية مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، القاهرة 5-6/11/1994.
بدأت الندوة بمحور “جامعة الدول العربية” بين الواقع والطموح، حيث عرض الدكتور صالح السنوسي، الأفكار التي تضمنتها ورقته “الجامعة العربية” الاستجابة الخائطة لواقع مغاير، فتحدث مشيرا إلى انه يرى أن الجامعة العربية كانت استجابة خاطئة للواقع العربي، بأن نشأتها فكانت صياغة تعكس نظرة العقل العربي الذي يعتمد الفلسفة التوفيقية في بحثه عن الحلول للاشكاليات التي تواجهه، ومن ثم اعتبر أن نقد ومراجعة البنى الاجتماعية والفكرية العربية يعدان ضرورة ملحة يجب أن تعطي لهما الأولوية وأشار إلى أنه كان يمكن اعتبار الجامعة العربية من المنظمات الدولية والإقليمية العامة في حقل التعاون السياسي، إلا أن هذا التشابه لا يستقيم إلا على الصعيد النظري فقط دون الاختيار فلم تكن نشأة الجامعة استجابة لواقع مماثل للواقع الأوربي أو أي واقع إقليمي آخر، بل جاءت الاستجابة لعاملين يمثلان خصوصية الواقع العربي، حيث أدى الصراع بين التيارين الرسميين المؤسسين للجامعة (التيار الوحدوي، التيار الرسمي الاستقلالي) مضافا إلى مشيئة بعض فواعل النظام الدولي، إلى ولادة مؤسسة مأزومة معلقة بين الانتظارات والاحتمالات وتأسيسا لهذا التصور رأى الباحث( )، أن الجامعة ولدت معلقة بين انتظارين عربيين، واحتمال خارجي، بل واعتمد هذا التصور على قراءة الفترة التي انقضت من عمر الجامعة، كما أشار في النهاية إلى أن العمل يجب أن ينصب على مراجعة دور الجامعة فقط، بل ينبغي أن تطال هذه المراجعة ذلك النمط من التفكير الذي كانت الجامعة إحدى صياغاته، والذي لا يزال يمارس، من خلال مثقفيه تقديم الحلول التلفيقية للجمع بين المتناقضات( ).

لما تحدث العميد “مراد إبراهيم دسوقي” عارضا لورقته “جامعة الدول العربية وقضايا الأمن القومي العربي” حيث عمل على استخلاص النتائج والعبر من مواقف الماضي كسبيل لإعادة استكشاف الذات، معتبرا أن ذلك السبيل الأمثل لرسم صورة اكثر واقعية للمستقبل فيما يختص بقضايا الأمن العربي ، فأشار إلى أن الرؤية العربية إبان فترة الحرب العالمية الثانية كانت متأثرة تأثرا عميقا بأمرين : النهضة والأمن القومي، ثم تناول معالجة الأمر ضمن بروتوكول الاسكندرية ومعاهدة الدفاع المشترك، موضحا أن رؤية الجامعة العربية لقضايا الأمن القومي العربي تتمحور حول فكرة عدم تعارض الأمن القومي العربي الأمن الوطني انطلاقا ن أن الأمن الوطني يكمل الأمن القطري وذلك بحكم المصير المشترك حيث أكد على ضرورة إنشاء محكمة عدل عربية كجهاز قضائي تلتزم الدول العربية بأحكامه وتنفذ بأن ما يصل إليه من قرارات ورأى أن تلك المحكمة، من أهم آليات بناء القمة العربية كما يمكنها أن تزيل على الدوام أي رواسي قد تسبب في تهديد الأمن القومي العربي وتوسيع دائرة نزاعاته العربية -العربية( ).



ناقش المنتدون بعد ذلك موضوع “جامعة الدول العربية والتكامل الاقتصادي” فتحدث في البداية د.طه عبد الحليم حول إشكالية التكامل الاقتصادي ودور الجامعة، موضحا أنه عمل في الورقة المقدمة على تحليل الإشكاليات النظرية للتكامل الاقتصادي العربي وذلك من خلال محاولة لتقديم قراءة نقدية موضوعية للرؤى الفكرية ووجهات النظر بصدد تلك الإشكاليات في الأدبيات العربية، واعتبر أن ذلك ضروري لكي يتمكن الفكر الاقتصادي العربي من أن يسهم في قيادة الانتقال من الواقع إلى الممكن ثم إلى المنشود، ذلك أن كافة المؤشرات تؤكد مدى القصور في هذا المجال، فبالنظر إلى واقع الاستثمارات بين الدول العربية مثلا، نجد أن أمام كل دولار من الاستثمارات العربي في المنطقة يوجد 56 دولار عربيا يستثمر في مناطق غير عربية ( ).

وأكد أن أهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الجامعة في إصلاح هذا الوضع المعوج كما تطرق للحديث عن السوق الشرق الأوسطية، منوها أنه يرى أن إسرائيل لا تملك مقومات الهيمنة الاقتصادية، وإنما تملك مقومات أن تكون مركز قوة إقليميا يحدد نمط التفاعلات في المنقطة، وهو ما تملكه مصر أيضا، وأشار إلى أن التطبيع إذا كان يعني التعاون الإقليمي فإنه يعني أيضا التنافس والتناقض ( ).
ثم تحدث د.أبو القاسم الطبولي عارضا ورقته حول “استراتيجية التعاون الاقتصادي العربي نظرة مستقبلية، أعدها بالتعاون مع يوسف بادي، فأشار من خلال استقرائه لمسيرة التعاون الاقتصادي العربي في الفترة السابقة إلى العديد من المشاكل والصعوبات سواء على المستوى القومي أو القطري، من خلال رؤية وآليات جديدة على المستوى القطري مثلا، مراجعة استراتيجيات التنمية القطرية الراهنة، والعمل على توفر الاستقرار السياسي وتهيئة المناخ الاقتصادي الذي يشجع على الاستثمار المحلي والعمل على زيادة الإنتاجية وإعطاء دور أكبر للقطاع الاقتصادي الخاص، والعمل على إنشاء وتطوير الأسواق المالية القطرية متهيدا لإقامة سوق مالية عربية مشتركة، والاعتماد على المدخرات المحلية لتمويل الاستثمارات المختلفة، ولتقديم كافة الضمانات والتسهيلات التي تكفل حقوق المستثمر العربي، ومن تلك الآليات على المستوى القومي، العمل على إقامة سوق عربية مشتركة بخطوات مدروسة ومنتظمة، وبمؤسسات وسياسات محددة وفي مواعيد محددة، وإقامة المشروعات العربية المشتركة على مزايا النسبة للأقطار المشتركة وعلى الأسس الاقتصادية وليس العاطفية أو السياسية وإنشاء مصرف عربي للإنشاء والتعمير والعمل على قيام سوق مشتركة عربية( ).

بينما اختصت الجلسة الثالثة بهذه الندوة على تعديل ميثاق جامعة الدول العربية فعرض د. ناصيف حتي للمحاولات المتكررة لإجراء تعديل في ميثاق الجامعة، وفي اتجاه تطوير وظائف الجامعة بواسطة تقنينها وإحداث وظائف جديدة، كما عرض د.محمد زاهي الصغير في ورقته “المنظور الليبي لتعديل ميثاق جامعة الدول العربي” والتي أعدها بالاشتراك مع د.مصطفى عبد الله خشيم.
فعرض للخطوط العامة للمشروع الذي طرحته ليبيا آنذاك موضحا أن للأهداف والمبادئ العامة التي تنص عليها ديباجته والمادة الأولى للمشروع حيث تعكس بشكل جلي التغيرات الجذرية التي يسعى المشروع إلى إحداثها في أهداف وغايات ومبادئ الجامعة من خلال التأكيد على هدف الوحدة العربية الشاملة، وهو ما يتناوله الميثاق الحالي، كما أن الهيكلة التي يقترحها المشروع الليبي، التي يمكن اعتبارها تعديلا كبيرا وجذريا في الهيكلة الراهنة، كذلك فإن نظام التصويت في المشروع هو ذاته ( ) نظام التصويت الراهن، والمشروع بذلك وإن لم يعالج أوجه القصور في نظام التصويت الراهن، إلا أنه يعكس نظرة واقعية للوضع العربي الراهن بما يتضمنه من حرص الدول العربية على سيادتها واسقلاليتها وعدم التفريط بأي جزء منها لأي منظمة إقليمية، وأفاد بأن المشروع الليبي للميثاق لا يمكن تصنيفه بالكامل ضمن أحد الاتجاهات الفقهية حيث أن الاتجاه المثالي ينعكس في ديباجة والمبادئ والأهداف العامة بينما تعكس المواد الأخرى، وبالذات تلك المتعلقة بسيادة الدول الأعضاء، ونظام التصويت اتجاها واقعيا يعكس البيئة المحيطة ( ).

وبعد ذلك تحدث أ. عمر إبراهيم العفاس عارضا لأفكار الرئيسية التي طرحها في ورقته فيما يخص “تعديل الميثاق أم تغير الإرادة”، فأشار إلى أن الأدبيات الرومانسية عن الوحدة العربية تساهم في إغناء الوجدان العربي وتوسع من دائرة الحلم ولكنها لا تصنع التاريخ، ذلك أن ما يصنع التاريخ هو محاولة فهم معطيات الحلم والمحيط العربي بكل متغيراته وثوابته، حيث اقترح محاولة إنجاز الحسابات السياسية والتاريخية والعقلانية ومحاولة تعميق الوعي بالمصالح والمنافع والخبرات المشتركة، ذلك أن التطورات التي عرفتها العلوم الإنسانية في العقود الأخيرة لعلمنا ضرورة التلاحم في إطار المداخل السياسية والاقتصادية والثقافية والعسكرية داخل نسيج البيئة المجتمعية، ومن ثم يؤكد أن الإرادة السياسية هي أساس التكامل فهي تلعب دورا حاسما في إذكاء شعور الشعوب لحمل شعار التكامل وتقبل التضحيات، وأشار الباحث إلى أنه في حالة الدول العربية يحب أن يتقدم العامل السياسي على ما عداه من عوامل فيما يخص تشييد الوحدة العربية، وذلك تأسيسا على أن تنمية عضوية أو إقامة روابط اقتصادية فقط لا تمكننا من التغلب على التناقضات الاقتصادية بين الأقطار العربية، فهذه التناقضات لا تسمح بتطور التنمية ولا يمكن التغلب عليها دون صراع سياسي يجابهها مباشرة.

كما قدم د.أحمد صادق الجهيني، اقتراحا حول مشروع محكمة العدل العربية، حيث دعا إلى إنشاء محكمة عدل عربية أسوة بمحكمة العدل الأوربية تكون قراراتها ملزمة وإنشاء جهاز للتحكيم وفض المنازعات، والإلزام بنص في الميثاق بأولوية الحل الإقليمي كما اقترح مراكز ووحدات للأبحاث تتولى المتابعة والرصد وطرح التصورات المستقبلية، كما اقترح إعطاء صلاحيات أوسع وأشمل للأمين العام والنص على ذلك في الميثاق كما أشار د.مجدي حماد إلى التكامل حيث اعتبر أنها عملية سياسية قبل أي اعتبار، ذلك أنها تعبير عن اختيار سياسي في المقام الأول، ومن ثم فغياب الإرادة والالتزام تغدو عملية فنية لا تحقق شيئا يذكر ولا يرجى منها تقدم ملموس، حيث قام الباحث بعرض ديناميات بعض المؤسسات العربية وأساليبها وذلك من اجل الوقوف على انعكاس ذلك على ثنائية القطرية القومية، ولذلك فقد اقترح التزام الإرادة السياسية التزاما مخلصا وحقيقيا من اجل جامعة عربية ذات نتائج مرضية( ).
وقد كانت هذه لندوة الفكرية نموذجا من نماذج الندوات التي عرفتها مرحلة التسعينات والتي جسدت آنذاك الرغبة الملحة لذا المفكرين والعرب لإيجاد حل للأزمة التي تتخبط فيها جامعة الدول العربية من خلال تقدمهم بمجموعة من المقترحات وصفت بالمتواضعة آنذاك، حيث جاءت بعدها مجهودات كانت ذات أهمية بالغة على الساحة الفكرية العربية ومن أبرزها الندوة التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية باليمن سنة 2004.

ثانيا: الندوة الفكرية باليمن المنعقدة سنة 2004.
جمعت الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع المؤتمر الشعبي العام في اليمن والتي كان موضوعها “من أجل إصلاح جامعة الدول العربية” أبرز رجال المفكرين في العالم العربي، وقد تم من خلال هذه الندوة القيام بالعديد من المناقشات ثم الخروج من خلالها بمجموعة من المبادرات والمقترحات، هدفها إيجاد وسيلة إصلاح وتطوير جامعة الدول العربية كمحاولة لإخراج الجامعة من أزمتها فالدكتور عبد الله ساعف وتحت عنوان “نحو انفتاح جامعة الدول العربية على المجتمع المدني العربي، إلى ضرورة توسيع مجال التفكير والبحث عن وسائل فاعلة لإعادة الاعتبار للعمل العربي المشترك، وتفعيل دور الجامعة العربية وإعطاء دور أكبر للمنظمات الإقليمية العربية ( ) ومن ذلك تنشيط دور المجتمع المدني في مجالات حقوقية ونسائية وشبابية وثقافية وإعلامية وبيئية شتى، ونوه في هذا الخصوص بسعي الأمانة العامة لجامعة الدول العربية لتعيين مفوض لشؤون المجتمع المدني، وإنشاء الشبكة العربية للمنظمات الأهلية لتعزيز علاقات التعاون بين أطرافها في مجال تحقيق التنمية المستدامة، ودعا إلى المزيد على ضوء تجربة منظمات المجتمع المدني بمعنى آخر إدماج الجامعة في المجتمع المدني كفاعل أساسي في نشاطها بحيث تتجاوز مصادر شرعيتها الدول المؤسسة إلى الشعوب العربية، وبالتالي تتعزز قدراتها على الضغط على القرار الرسمي العربي وتعبر عن اتجاهات الرأي العام العربي، وليس مجرد اتجاهات النخب الحاكمة، حيث يفترض البحث على آفاق جديدة وآليات فاعلة، وذلك بإعطاء أهمية خاصة للمستجدات التي طبعت الواقع العربي في السنوات الأخيرة، ومن بينها بروز مجتمع مدني أكثر حضورا وكثافة ونضجا، وبعد أن سجلت حقول معرفية متعددة مؤشرات المجتمع المدني العربي وتجلياته ودلالات نموه، وحضوره في مجالات حيوية عديدة( ).

كما قام عبد الله محجوب خلال هذه الندوة باستعراض مختلف المبادرات المقدمة لإصلاح جامعة الدول العربية حيث اقترح بدوره استخلاص مشروع متكامل يجمع المشترك بين أغلب المبادرات فيما يتعلق بتطوير الجوانب الخاصة بنظام تسوية المنازعات ونظام التصويت وضمان الأمن الإقليمي وتحقيق التكامل الاقتصادي وأضاف أن هذا المنحى ينطلق من قدرة الجامعة العربية على التكيف مع مستجدات البيئتين الإقليمية الدولية، وذلك على حين يتجه منحى آخر إلى استحداث كيان جديد يرث الجامعة العربية ويواجه المستجدات المذكورة بذهنية مختلفة وبصفحة لم تلوثها إحباطات الماضي القريب( ).

بينما تطرق “ناصف حتي” في هذه الندوة إلى صنع القرار وتنفيذه ودخل مؤسسات جامعة الدول العربية معتبر قاعدة الإجماع بمثابة الحاجز الأساسي أمام أي قرار فاعل وفعال إلى جانب تقييد سلطات الأمين العام للجامعة العربية، والتباين الأساسي بين القرار العربي المشترك و السياسات المنبعثة من مختلف الدول العربية علاوة على خلل هذا القرار نفسه نتيجة اتصافه بالعمومية والمناشدة والتسرع وغياب أية آلية للتنفيذ والمتابعة، وينتهي الباحث إلى نقد ديبلوماسية التعاون الإقليمي العربي المتعدد الأطراف داعيا إلى مراجعتها ووضع أجندة مستقبلية تتماشى مع المتغيرات الإقليمية والدولية الراهنة وتعطي دورا اكبر للمجتمع المدني وحول إصلاح هيكل العلاقات بين جامعة الدول العربية والمنظمات المتخصصة ( ). كما قام خير الدين حسي بإعطاء رؤية عن التغيرات الإقليمية والدولية المتتالية بعد انتهاء الحرب الباردة، والغزو العراقي للكويت وانعكاسات هذه التغيرات على المنطقة العربية ونظامها الإقليمي، ملاحظا أن الولايات المتحدة الأمريكية أصبحت واقعا وعضوا فاعلا في جامعة الدول العربية مشيرا إلى انتهاكات ميثاق الجامعة لم يعد مقتصرا على عراق صادم، بل تجاوزه إلى الدول التي يسرت الاحتلال الأمريكي للعراق، والذي ما كان ليتم لولا مساعدتها على الرغم من أن الاعتداء على دولة عربية هو اعتداء على جميع الدول العربية وعليه فمستقبل جامعة الدول العربية حسب وجهة نظر هذا الباحث، يتوقف على ما سيحدث في العراق، حيث اعتبر أن انتصار الغزو الأمريكي، هو تحويل للجامعة العربية إلى جامعة شرق أوسطية، تضم إسرائيل من جانب وتركيا وإيران من جانب آخر، وبالتالي فقد دعا إلى إعادة النظر في آلية التصويت داخل الجامعة، مستشهدا بالتجربة الأوربية، حيث تملك أربع دول سبعة أصوات، فيما تملك الأخرى صوتا واحدا، أما في جامعة الدول العربية فإن دولا لا تتجاوز عدد سكانها 250 ألف نسمة تتمتع بالصوت نفسه الذي يتمتع به دولة يصل عدد سكانها 70 مليون نسمة مما يتسبب في رأيه في تشوه جسم جامعة الدول العربية ، لهذا قام بتحذير الدول العربية غير الضغط السياسي على الدخول في عضوية جميع المنظمات المتخصصة( ) للعمل العربي المشترك واقترح بديلا لذلك أن يكون التعاون على مستويات مختلفة، مع ترك لكل دولة حرية اختيار التعاون على المستوى الذي تراه مناسبا لها كما هو الحال في الاتحاد الأوربي وآية ذلك أنها ليست عضوا في كتلة اليورو.
ومن خلال هاتين الندوتين التي تم عقدهما في كل من القاهرة واليمن تم طرح العديد من المقترحات والمبادرات سابقت كلها إلى تحقيق هدف واحد وهو إيجاد حل لأزمة الجامعة يمكن جعلها منطلقا لإصلاح الجامعة وإذا ما أردنا تتميم بحثنا عن الحلول لإخراج الجامعة من أزمتها فلابد من وضعها بمقارنة مع المنظمات المتخصصة التي عرفت نجاحا.

المطلب الثاني: الجامعة العربية في مرآة التجربة الأممية والأوربية
إن أي إصلاح حقيقي لجامعة الـدول العربية لن يقـدر له النجاح إلا إذا ما حاولت السير على نهج المنظمتين الدوليتين الرئيسيتين الأولى عالمية تستخدم المنهج التعاوني التقليدي في التنظيم الدولي وهي الأمم المتحدة والثنائية إقليمية تستخدم المنهج الوظيفي أو التكاملي في التنظيم الدولي وهي الاتحاد الأوربي ( ).

أولا: البنية المؤسسية ل الجامعة العربية في مرآة الأمم المتحدة
شكل قيام الجامعة العربية في مارس 1945 حدثا بالغ الأهمية بالنسبة للنظام العربي على الرغم من أن هذه الخطوة لم تكن على مستوى طموح التيار القومي الذي تطلع إلى صيغة وحدوية أقوى، فبقيام الجامعة العربية أصبح للنظام العربي ولأول مرة، إطار مؤسسي وتنظيم جامع وقواعد وآليات تعاقدية واضحة ومحددة، صحيح أن البنية المؤسسية التي وضع ميثاق الجامعة لبناتها الأولى كانت تتسم في البداية، بالبساطة الشديدة، غير أن هذه البنية ما لبثت أن اتسعت وتشبعت وأصبحت وعاء لشبكة هائلة من التفاعلات ( ).

كان ميثاق الجامعة العربية قد اكتفى ببنية مؤسسية م محدودة تتكون من مجلس يتألف من ممثلي الدول الأعضاء ولجان نوعية تعالج أمورا تتعلق بالشؤون الاقتصادية والمالية وشؤون المواصلات وشؤون الثقافة، وشؤون الجنسية والجوازات والتأشيرات، وتنفيذا لأحكام وتسليم المجرمين، والشؤون الاجتماعية والشؤون الصحية، بالإضافة إلى جهاز الأمانة العامة بالطبع، بل إن الميثاق لم يتهم بتحديد مستوى تمثيل الدول سواء في مجلس الجامعة أو في اللجان النوعية، وكان من الصعب على هذه البنية المؤسسية المحدودة أن تفي بالاحتياجات المتزايدة للنظام الإقليمي العربي ومن ثم فرض عليها التطور، تحت ضغوط مجموعتين رئيسيتين من العوامل:
المجموعة الأولى: تتعلق بتطور التنظيم الدولي عموما على الصعيدين العالمي والإقليمي، فعند نشأة جامعة الدول العربية لم تكن معظم المنظمات الدولية الموجودة حاليا، بما في ذلك الأمم المتحدة نفسها، قد قامت بعد، ولذلك لم تكن الخبرة التنظيمية المتراكمة والمتاحة لاستفادة جامعة الدول العربية منها كبيرة واقتصرت على التجربة القصيرة لعصبة الأمم والاتحادات الدولية الإدارية التي كانت قد بدأت في الظهور منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر وكانت معظم الحلول المؤسسية التي طرحتها هذه التجربة في مجال التنظيم الدولي تقليدية وغير مبتكرة، أما المنظمات العالمية أو الإقليمية التي نشأت في مرحلة لاحقة على نشأة الجامعة العربية فقد استحدثت تقنيات مبتكرة واكثر فاعلية في مجال بناء المؤسسات الدولية، كان من الطبيعي أن تحاول جامعة الدول العربية الاستفادة منها، وهو ما حدث بالفعل ( ).

فشبكة المنظمات العربية المتخصصة التي أنشأتها جامعة الدول العربية في مرحلة ثالثة جاءت تقليدا للنموذج الذي استحدثته الأمم المتحدة في هذا الشأن، كما أن إبرام اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربي وما ترتب عليها من إنشاء كيان مؤسسي مستقل يعرف باسم مجلس الوحدة الاقتصادية العربية جاء كرد فعل عربي على قيام السوق الأوربية المشتركة، وهكذا.

المجموعة الثانية: تتعلق بتطور الصراع مع إسرائيل وبما فرضه هذا الصراع من تحديات تعين على الوطن العربي مواجهتها وتعتبر المؤسسات التي تم استحداثها في إطار معاهدة الدفاع العربي المشترك والتعاون الاقتصادي المبرمة في العام 1950، أو المؤسسات العربية المشتركة الخاصة باستغلال نهر الأردن وروافده، أو غير ذلك من المؤسسات الإقليمية التي قامت سواء لتنظيم بعض جوانب العلاقات العربية العربية، أو لتنظيم علاقات الدول العربية بالدول الأخرى نتاجا مباشرا لتطور هذا الصراع ( ).

والواقع أن التطورات الناجمة عن تفاعل هاتين المجموعتين من العوامل، أدت إلى ظهور بنية مؤسسية عربية تبدو من حيث الشكل على الأقل، وكأنها تضم كل ألوان هذه الهياكل، شبكة هائلة من المنظمات العربية المتخصصة يفترض أنها أقيمت على نمط الوكالات المتخصصة التابعة للأمم المتحدة، وآلية للأمن الجماعي العربي تجسدها اتفاقية الدفاع المشترك، ويفترض أنها تعمل وفقا للضوابط المؤسسية والتنظيمية اللازمة لإقامة نظم الأمن الجماعي أو الأحلاف الدفاعية العسكرية، وآلية للتكامل والاندماج الاقتصادي تجسدها اتفاقية الوحدة الاقتصادية العربية ويفترض أنها تعكس تصورا نظريا وعمليا لمراحل تحقيق هذا الاندماج وأدواته.

غير أن الشكل لا يدل دائما على الجوهر، فقد اكتفت الجامعة العربية بالشكل وتركت الجوهر والمضمون، ولم تتمكن من استكمال وتشغيل المؤسسات المنصوص عليها في الاتفاقيات المبرمة لأسباب سنشير إليها في ما بعد فإذا نظرنا إلى شبكة المنظمات العربية المتخصصة، والتي تبدو وكأنها نسخة مكررة عن شبكة الوكالات المتخصصة المرتبطة بالأمم المتحدة فسوف نجد أن هذا التشابه يقتصر على الشكل فقط، أما من حيث الجوهر فتبدو الشبكة العربية مختلفة تماما عن الشبكة الأممية من زاويتين على الأقل:
الأولى: أنها لم تقم وفق تصور نظري أو عملي مسبق، لذلك اتسمت حركتها بالعشوائية وعدم التنسيق،على عكس الحال في منظومة الأمم المتحدة، والتي عكس ميثاقها رؤية محددة كما يجب أن تكون عليه العلاقة مع الوكالات المتخصصة، ويقوم هذا التصور على افتراض أن الأمم المتحدة هي نواة للتنظيم العالمي الشامل، وليست مجرد منظمة عامة الاختصاص، في مقابل منظمات متخصصة أو فنية، لذلك فرض الميثاق على الوكالات المتخصصة ضرورة الارتباط بالأمم المتحدة والتنسيق معها، كي تتحرك المجموعة كمنظومة واحدة، وأوكل إلى أحد أجهزتها الرئيسية، وهو المجلس الاقتصادي و الاجتماعي مهمة تحقيق هذا الربط، وأصبح هذا المجلس مركز التنسيق الرئيسي للمنظومة ككل ( ).

الجامعة العربيةوفي هذا السياق تضمنت البنية المؤسسية لمنظومة الأمم المتحدة آليتين للتنسيق مع الوكالات المتخصصة:
الأولى: من خلال اتفاقيات الوصل أو الربط المعقودة بين المجلس الاقتصادي والاجتماعي وبين كل وكالة معينة على حدة والثانية، من خلال اللجنة الإدارية للتنسيق التي يرأسها سكرتير عام الأمم المتحدة، وتضم في عضويتها مديري عموم الوكالات المتخصصة.
أما جامعة الدول العربية فقد ظلت لسنوات طويلة تفتقد إلى مثل هذا الوضوح في طبيعة العلاقة بينها وبين الوكالات العربية المتخصصة ولذلك اتسمت حركة إنشاء الوكالات المتخصصة على الصعيد العربي بالعشوائية وعدم التنسيق.

الثانية: خلو شبكة المنظمات العربية المتخصصة من منظمات ذات طبيعة تنفيذية أو عملية مماثلة لصندوق النقد الدولي، أو البنك الدولي للتعمير والتنمية أو منظمة التجارة العالمية، وغياب هذا النوع من المنظمات لا يعبر عن مجرد قصور أو عجز في الإرادة فحسب، بل يرجع أيضا إلى أسباب هيكلية تتعلق ببنى الاقتصاديات العربية ودرجة تكاملها، ومتطلبات تحركها كمنظومة فرعية ترتبط بالنظام الاقتصادي العالمي، كما يرجع إلى عدم نضج الوطن العربي للانخراط داخل مؤسسات تطبق قاعدة التصويت الترجيحي بدلا من قاعدة المساواة على النحو المعمول به في كل من الصندوق والبنك الدوليين ( ).

وللإنصاف توجد تجربة عربية وحيدة تقترب من هذا النموذج وهي تجربة إنشاء الصندوق العربي للإنماء الاجتماعي والاقتصادي التي وافق عليها المجلس الاقتصادي بتاريخ 16/05/1968، لكن محدودية رأسمال هذا الصندوق “100 مليون دينار كويتي عند الإنشاء” فضلا عن تفعيل الدول العربية الميسورة تقديم القروض والمعونات للدول الأخرى، عربية أكانت أو غير عربية، من خلال صناديق وطنية أو فطرية الإدارة ورأس المال، قللت من فرص وإمكانية تطوير هذا النوع من المؤسسات العربية المشتركة( ).

إذا نظرنا إلى الطريقة التي تعامل بها النظام العربي مع مسألة الأمن الجماعي، فسوف نجد أن الأمر لا يخلو بدوره من مفارقة فقد بدت معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي حين أبرمت بين دول الجامعة في العالم 1950 وكأنها قادرة على إحداث نقلة نوعية في مؤسسات العمل العربي المشترك، فقد استحدثت هذه المعاهدة أجهزة وآليات عمل جديدة تمثلت في: إنشاء لجنة عسكرية دائمة تتكون من ممثلي هيئة أركان حرب جيوش الدول العربية المتعاقدة ومجلس للدفاع المشترك، يتكون من وزراء الخارجية والدفاع أو من ينوبون عنهم، ومجلس اقتصادي يتكون من وزراء الاقتصاد أو من يمثلونهم، كما نص البرتوكول الإضافي للمعاهدة على تشكيل هيئة استشارية عسكرية تتكون من رؤساء أركان حرب الدول المتعاقدة للإشراف على اللجنة العسكرية الدائمة، واستحدثت المعاهدة في الوقت نفسه آلية جديدة لاتخاذ القرارات في مجلس الدفاع المشترك على اعتبار أن ما يقرره المجلس بأغلبية الثلثين يكون ملزما لجميع الدول المتعاقدة، وهو ما يختلف جذريا عن آلية جديدة لاتخاذ القرارات في مجلس الدفاع المشترك، على اعتبار أن ما يقرره هذا المجلس بأغلبيته الثلثين يكون ملزما لجميع الدول المتعاقدة، وهو ما يختلف جذريا عن آلية جديدة لاتخاذ القرارات في مجلس الجامعة نفسه والتي تقوم على اعتبار “أن ما يقرره المجلس بالإجماع يكون ملزما لجميع الدول المشتركة في الجامعة، وما يقرره المجلس بالأكثرية يكون ملزما لمن يقبله”.

غير أنه سرعان ما اتضح أن هذا التجديد الذي بدا ثوريا في ظاهره، لم يكن كذلك في جوهره على الإطلاق، فقرارات مجلس الدفاع المشترك، والتي تتخذ بالأغلبية وتلزم الجميع ليست نهائية بل يتعين إقرارها من جانب مجلس الجامعة التي يتخذ قراراته بالإجماع ! ولهذا ظلت قرارات مجلس الدفاع العربي المشترك ولا سيما ما يتعلق منها بإنشاء قيادة عربية موحدة، مجرد حبر على ورق، ولم تر النور إلا عندما صادق عليها مؤتمر القمة العربية الذي عقد بالقاهرة في العام 1964 “والذي يطلق عليه مجازا مؤتمر القمة العربي الأول” وحاول هذا المؤتمر أن يضع خطة شاملة لمواجهة مشروعات إسرائيل الخاصة بتحويل مجرى نهر الأردن( ).

غير أن افتقاد العمل العربي المشترك إلى القواعد والأصول التنظيمية الواضحة جعل من المستحيل على هذه القيادة أن تؤدي وظائفها بطريقة سليمة. وهكذا لم يتمكن الوطن العربي مرة أخرى من الاستفادة من التقنيات المؤسسية أو التنظيمية المطبقة في نظم الأمن الجماعي، أو في نظم الأحلاف الدفاعية المعروفة عالميا أو إقليميا، فلم يكن ممكنا إقامة مجلس الدفاع العربي المشترك على نمط مجلس الأمن الدولي، أو إقامة منظومة دفاعية مماثلة للمنظومة العسكرية المشكلة في إطار حلف شمال الأطلسي… الخ.

إذا ما نظرنا أخيرا إلى الطريقة التي تعامل بها النظام العربي مع قضية التكامل والاندماج الاقتصادي فسوف نجد أن هذه الطريقة لم تراع أيضا، أي شيء من القواعد والضوابط المؤسسية الكفيلة بتحقيق أي تقدم يذكر على هذا الصعيد فلقد اكتفى مجلس الجامعة العربية بإبرام برتوكول لعام 1957، وأسبغ بموجبه صفة الكيان الذاتي على المجلس الاقتصادي المشكل من قبل، بموجب معاهدة الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي السابق الإشارة إليها والمبرمة في العام 1950، ثم عاد واتخذ قرارا في العام 1977 بالموافقة على تعديل المادة الثامنة من اتفاقية الدفاع المشترك والتعاون الاقتصادي، وبموجب هذا التعديل تغير اسم المجلس الاقتصادي ليصبح “المجلس الاقتصادي والاجتماعي” ( ) وأصبح من ضمن مهامه “الموافقة على إنشاء أية منظمة عربية متخصصة، والإشراف على حسن قيام المنظمات الحالية بمهامها” ولم يمثل هذا التعديل، خطوة إلى الأمام على طريق التكامل والاندماج الاقتصادي، بل كان مجرد خطوة متأخرة لربط الجامعة العربية مؤسسيا بالمنظمات العربية المتخصصة، ومعنى ذلك أن البنية المؤسسية لجامعة الدول العربية تخلو من معظم التقنيات المؤسسية المستخدمة في بناء صيغ التكامل والاندماج الإقليمي.
ولأن التجربة الأوربية هي أرقى تجارب المنظمات الدولية وأكثرها تطورا من حيث القدرة على بناء المؤسسات التكاملية أو الاندماجية، فإن إفراد جزء من هذه الدراسة للنظر إلى التجربة العربية في مرآة التجربة الأوربية قد يكون الوسيلة المثلى للتعرف على أوجه القصور الحقيقية للبنية المؤسسية للنظام العربي.

ثانيا: تجربة التكامل العربية في مرآة التجربة الأوربية
تميزت البنية المؤسسية للتجربة الأوربية بعدد من الخصائص، أضفى توافرها طابعا فريدا على هياكل صنع القرار وعمليته، بالمقارنة مع كافة التجارب التكاملية الأخرى، بما فيها التجربة العربية( ):
أولى هذه الخصائص: تكمن في تمتع مؤسسات الاتحاد الأوربي كل في ميادين ومجالات فنية أو سياسية محددة، بسلطات حقيقية في مواجهة الدول الأعضاء، إذ يحق لهذه المؤسسات إصدار قرارات ملزمة وواجبة النفاذ في الميادين والمجالات التي حددتها المعاهدة أو المعاهدات المنشاة، وهي ميادين ومجالات متعددة ومهمة، مما يضفي على تلك المؤسسات سمة فوق قومية.

ثاني هذه الخصائص: تكمن في تمكن التجربة الأوربية من العثور على صيغة متوازنة تحافظ على مبدأ المساواة في السيادة بين الدول الأعضاء من الناحية القانونية، وتأخذ بعين الاعتبار في الوقت نفسه اختلاف الأوزان والقدرات النسبية لهذه الدول، من الناحية الفعلية والعملية، فهناك فروع وأجهزة أوروبية مشكلة على أساس المساواة في التمثيل بين الدول، ووفق قاعدة لكل دولة صوت واحدة، وهناك مجالات تقوم فيها عملية اتخاذ القرار على قاعدة الإجماع، أو تشترط توافر أغلبية خاصة كبيرة، ويشكل ذلك كله ضمانات كافية، ولا سيما بالنسبة إلى الدول الصغيرة والمتوسطة للحيلولة دون المساس بقاعدتي السيادة والمساواة اللتين تحرص عليهما، وهناك فروع أخرى تمثل فيها الدول بعدد من المقاعد أو تتمتع بنقل تصويتي يتناسب وأوزانها النسبية، كما أن هناك مجالات أخرى كثيرة تتخذ فيها القرارات بالأغلبية البسيطة، فالمفوضية الأوربية تتكون حاليا من عشرين مقعدا تمثل فيها كل الدول الأوربية الكبرى وهي ألمانيا وفرنسا ( ) والمملكة المتحدة وإيطاليا وإسبانيا بمقعدين، أما باقي الدول الأخرى فتمثل بمقعد واحد وفي البرلمان الأوربي يتراوح عدد المقاعد المخصصة لكل دولة بين 99 مقعدا بالنسبة لأكبر الدول تعدادا من حيث السكان “ألمانيا” و6 مقاعد فقط لأصغر هذه الدول “لوكسومبورغ” وفي المجالس الوزارية الأوربية تتراوح الأصوات المخصصة للدول الكبيرة بين 10 أصوات “لكل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا” وبين صوتين فقط للدولة الأصغر “لوكسومبرغ”.

ثالث هذه الخصائص: تكمن في وجود نواة نظام سياسي أوربي يقوم على وجود سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية مستقلة، وعلى محاولة الفصل الكامل وتحقيق الرقابة المتبادلة بينها، فهناك برلمان أوربي مستقل ينتخب انتخابا مباشرا من جانب المواطنين في الدول الأعضاء، وله سلطة سحب الثقة من اللجنة، وهناك محكمة عدل أوربي تتشكل من 15 قاضيا، وتتمتع باستقلال كامل في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية، وأحكامها ملزمة وواجبة النفاذ، ويلعب جهاز المحاسبات الأوربي دورا مهما في الرقابة المالية على الموارد والنفقات ( ).
ورغم أن التوازن بين هذه السلطات ما يزال مختلا لصالح السلطة التنفيذية، إلا أن هناك محاولات جادة ومستمرة لإصلاح هذا الخلل، كما يلاحظ على صعيد آخر، أن التجربة الأوربية نجحت في إشراك جماعات المصالح المختلفة في عملية اتخاذ القرار من خلال إشراكها في عضوية “اللجنة الاقتصادية و الاجتماعية” أو “لجنة الأقاليم” حيث تتطلب بعض مراحل وإجراءات عملية صنع القرار داخل هذه اللجان ضرورة الحصول على موافقة جماعات المصالح المعنية، أو هيئات الحكم المحلي المنتجة.

رابع هذه الخصائص: تكمن في وجود صمامات أمن تضمن استمرار التجربة الأوربية، وتحول دون التفافها حول نفسها، فكافة الدول المنخرطة في التجربة الأوربية، دول ديمقراطية تعتمد الليبرالية السياسية أساسا ومنهجا للحكم، وتنتظم المجتمعات في الداخل، ولم تتمكن الدول الأوربية التي كانت مسيرتها الديمقراطية قد تعثرت لأساب اجتماعية وتاريخية، مثل اليونان وإسبانيا والبرتغال، من الانضمام إلى قافلة الوحدة الأوربية إلا بعد استقرار الأوضاع وتثبيت دعائم الديمقراطية فيها، ولم تقبل تركيا حتى الآن في عضوية الاتحاد الأوربي لأسباب كثيرة، من بينها أن الأسس الديمقراطية للنظام التركي لم تستقر بعد، و أن الجيش ما يزال هو مركز الثقل الرئيسي في النظام السياسي في تركيا( ).

وهكذا تلعب الديمقراطية في تجربة التكامل والاندماج الأوربي دورا مزدوجا بالغ الأهمية، وتعد شرطا لا تستقيم التجربة التكاملية دونه، فعملية التكامل والاندماج، خصوصا إذا كانت تتم وفق المنهج الوظيفي هي عملية مؤسسية في المقام الأول والدولة التي تتخذ فيها القرارات من خلال مؤسسات ديمقراطية منتخبة تحظى بالشرعية لن يكون بمقدورها أن تشارك في عملية بناء المؤسسات المشتركة على الصعيد الإقليمي والتي هي بدورها عملية ديمقراطية في جوهرها، يضاف إلى ذلك أن غياب الديمقراطية في الداخل قد يشكل مصدرا للفوضى وعدم الاستقرار ومن ثم يمكن أن يتسبب في تعطيل مسيرة البناء التكاملي أو الاندماجي على المستوى الإقليمي.
وأخيرا تعتبر الديمقراطية أداة مهمة جدا لضبط إيقاع حركة المسيرة التكاملية وسرعتها فهي تساعد على إيجاد حلول فنية للعديد من العقبات السياسية من خلال ضمان المشاركة النشطة لجماعات المصالح المختلفة في مراحل صنع القرار فحسب، بل على تحاشي الاندفاع أو التباطؤ في العملية التكاملية بأكثر مما ينبغي، ومن ثم تسهم في ضبط إيقاع العملية التكاملية بالقدر اللازم لاستيعابه جماهيريا في كافة الدول الأعضاء، وربما يفسر هذا العامل كثرة اللجوء إلى أسلوب الاستفاءات في التجربة الأوربية ( ).

وعلى هذا الأساس إذا نظرنا إلى البنية التنظيمية للجامعة العربية في مرآة التجربة الأوربية، فسوف نجد أن كافة الشروط المؤسسية التي تضافرت لإنجاح هذه التجربة الأوربية، تكاد تكون غائبة كليا في التجربة العربية فلم يتواتر للتجربة العربية قيادة تعرف كيف تختار نهجها التكاملي بطريقة مبتكرة قادرة على التوفيق بين الاعتبارات السياسية والاعتبارات الاقتصادية، ولم يصل الوضع الداخلي في جميع الدول العربية تقريبا إلى درجة النضج التي تسمح له بتحليل حركة التفاعلات الاقتصادية و الاجتماعية بين الدول والشعوب العربية، وفصلها عن الخلافات السياسية بين الأنظمة العربية، وهي الدعامة التي يستحيل بدونها تطبيق المنهج الوظيفي على تجربة التكامل والاندماج العربي، فعدد كبير جدا من الدول العربية لا يمتلك معظم المقومات التي تجعل منه دولا حقيقية بالمعنى الأوربي، وبعضها أقرب إلى شكل القبيلة أو الشركة المساهمة منه إلى شكل الدولة، وجميعها يخلو من سلطات تشريعية حقيقية أو سلطات قضائية مستقلة أو من أحزاب أو رأي عام واضح يمكن التعرف عليه وقياس اتجاهاته بطريقة شفافة أو دقيقة، ومع التسليم بوجود جماعات مصالح أو جماعات ضغط وتيارات إيديولوجية وفكرية مختلفة إلا أن المناخ السائد في معظم الدول العربية، إن لم يكن فيها جميعا، لا يساعد على التعرف على أوزانها الحقيقية أو على علاقات القوى بينها، ولذلك يحدث التغيير عادة على نحو مفاجئ، ويأخذ أنماطا مختلفة: انقلابات عسكرية حينا أو مؤامرات القصور أحيانا أخرى، أو الانتظار حتى رحيل “الزعيم” كي يحدث التغيير الذي قد يأخذ شكلا انقلابيا بدوره ( ).

في سياق كهذا أصبحت هنا صعوبات موضوعية تحول دون إمكانية قبول الدول العربية بوضع أي قطاع إنتاجي أو خدمي هام تحت سلطة عربية مشتركة أو الموافقة على بناء مؤسسات عربية تتخذ فيها قرارات ملزمة وواجبة النفاذ بالأغلبية أو التخلي عن المساواة المطلقة والقبول بأفكار التمثيل النسبي أو التصويت الترجيحي، على نحو يعكس تفاوت الوزان الفعلية للدول العربي في آليات صنع القرار، ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فقد كان من المستحيل أن تتمكن دول تفتقر إلى البنية المؤسسية في تنظيمها الاجتماعي الداخلي، من المشاركة في إقامة بنية مؤسسية فعالة على المستوى الإقليمي( ).
ضرورة إصلاح جامعة الدول العربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.