الرشوة في صورتها البسيطة : أركان الرشوة وعقوبتها

موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة (6)

فصل تمهيدي : مفهوم الرشوة التاريخي وبعض أنواعها

تمهيـد:
الشريعة الإسلامية الغراء قد عرفت الرشوة ونظمت أحكامها قبل أن تعرفها القوانين الوضعية أكثر من أربعة عشر قرنا وكما قلنا فيما سبق، وجريمة الرشوة محرمة بالقرآن والسنة النبوية الشريفة، والإجماع وفي ذلك قوله تعالى: ولا تاكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتاكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم والعدوان وأنتم تعلمون وكذلك قوله تعالى: سماعون للكذب آكلون للسحت… ( ).
ولقد رويت كذلك عدة أحاديث نبوية شريفة منها: “لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم” وكذلك : “لعن رسول الله  الراشي والمرتشي” وكذا : “لعن رسول الله  الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”.
والملاحظ أن هذه الأحاديث حددت الراشي والمرتشي والرائش مهما كانت الصيغة التي وردت بها.
وحديث ابن اللثبية المشهور حين بعثه النبي  على الصدقة لما جاء قال هذا لكم وهذا اهدي لي فقال : “ما بال أقوام نستعملهم على مال ولانا الله فيقول هذا لكم وهذا أهدي لي فهلا جلس في بيت أبيه فنظر أيهدي له أم لا”( ).
ولقد أجمع الصحابة والتابعون ومن بعدهم على تحريم الرشوة أخذا وبذلا وتوسطا ولم يعرف لا حد خلاف ذلك والخلاف أنها هو في أمور تعرض للرشوة من ناحية الاضطرار إليها( ).

المبحث الأول: الرشوة في صورتها البسيطة

المطلب الأول: أركان الرشوة
يتضح مما سبق أن جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية لها أطراف ثلاثة هي:
أ-مرتش : (وهو الأخذ)
ب-راش: (وهو المعطي)
ج-رائش: وهو الذي يمشي بينهما ويقدر الرشوة )
ويلاحظ أن الأطراف في جريمة الرشوة هم أنفسهم الذين عرفوا في القوانين الوضعية، حيث أن المرتشي هو نفسه المعروف في القانون والراشي هو كذلك هو نفسه المعرف في القانون، والرائش هو الوسيط، والمستفيد قد يكون المرتشي وقد يكون شخصا آخر.
كما يلاحظ أن أركان جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية هي ذاتها المعروفة في القوانين الوضعية فلابد لها من أركان هي:
صفة المرتشي والركن المادي والقصد الجنائي وسنخصص لكل ركن نقطة خاصة.
الفقرة الأولى: صفة المرتشي:
الشريعة الإسلامية الغراء كما قلنا قد نظمت كل شيء، وبالنسبة لجريمة الرشوة نجد أن صفة المرتشي كانت تطلق على القضاة والولاة في ذلك الوقت.
وهذا ثابت من الأحاديث التي سقناها وكانت تطبق أيضا على الحكام والخلفاء ففي الحديث : “من استعملناه على عمل فرزقناه رزقا (منحناه راتبا) فما أخذه بعد ذلك فهو غلول ” (رواه أبو داود).
وأهدي إلى عمر بن عبد العزيز هدية، وهو خليفة فرفضها فقيل له: كان رسول الله  يقبل الهدية ! قال: كان ذلك له هدية وهنا لنا رشوة( ).
ويلاحظ أيضا أن حديث “لعنة الله على الراشي والمرتشي في الحكم” قد ورد بعدة صيغ أوردناها سابق مما يفهم منه أن يكون المرتشي موظفا عموميا أو موظفا غير عمومي ( ).
وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: السحت رشوة في الحكم ومهر البغي وعسب الفحل وكسب الحجام وثمن الكلب وثمن الخمر وثمن الميتة وحلوان الكاهن والاستعجال في القضية..”
وعن جابر قال: قال رسول الله  (هدايا الأمراء من السحت) ( ).
فالشريعة الإسلامية قد عرفن صفة المرتشي كما عرفته القوانين الوضعية وحددته تحديدا واضحا ومنظما.
الفقرة الثانية: الركن المادي:
المرتشي يقبل أن يتاجر بالوظيفة مقابل حصوله على فائدة معينة و الراشي يدفع الفائدة مقابل حصوله على شيء معين يهدف إليه، أي أن الراشي و المرتشي ينفقان على ما يريدانه حسب مصلحة كل منهما، فالراشي يقوم بنشاط إجرامي مقابل الميزة أو الهدية أو الفائدة المتفق عليها.
والشريعة الإسلامية قد عرفت كل ذلك ويكون مقتضى الركن المادي في جريمة الرشوة هو ذاته المعروف في القوانين الوضعية.
ويكون الغرض من الرشوة هو إما أن يرشي الراشي المرتشي لأنه قد خوفه فيعطيه الرشوة ليدفع الخوف عن نفسه، أو يرشوه ليسوي أمره بين يدي السلطان ويسعى في ذلك أو يرشوه لتقلد القضاء من السلطان أو يرشو القاضي ليقضي له( ).
أغراض الرشوة
يفهم من ذلك أن الرشوة قد تدفع لأغراض أربعة هي:
أ-الرشوة لرفع الخوف
ب-الرشوة لتسوية ألأمر بين يدي السلطان
ج-الرشوة لتلد القضاء
د-الرشوة للقضاء للراشي
حكم دفع الرشوة في تلك الحالات ( ).
* في الحالة الأولى:
الرشوة لدفع الخوف لا يحل لأخذ للأخذ لأن الكف عن التخويف كف عن الظلم وأنه واجب بدين الإسلام فلا يحل أخذ المال لذلك، وحل للمعطى الإعطاء لأنه جعل المال صيانة للنفس وهذا جائز في الشرع، وكذا إذا طمع في ماله فرشاه بعض ماله لا يحل الآخذ وحل الإعطاء لأنه جعل بعض المال وقاية لسائر الأموال.
وقيل أن هذه الحالة تدخل تحت الوعيد وعامة الفقهاء على أنه يحل للمعطى الإعطاء لأنه يجعل ماله وقاية لنفسه أو يجعل بعض ماله وقاية للباقي( ).
* في الحالة الثانية
الرشوة لتسوية أمر بين يدي السلطان لا يحل للآخذ الأخذ لأن القيام بمعونة المسلمين واجب عليه بدون المال فهو يأخذ المال لإقامة ما وجب عليه إقامته لذويه فلا يحل له الأخذ.
وقيل ينظر إلى فرضين:
أ-أن تكون الحاجة حراما، وهنا لا يحل للمهدي الإعطاء ولا للمهدي له الأخذ.
ب-أن تكون الحاجة مباحة
فإذا اشترط على أنه إنما يهدى إليه ليعنيه عند السلطان، وفي هذا لا يحل لأحد الأخذ أما إذا أعطاه بعد أن سوى أمره ونجاه عن ظلمه فيحل للمعطى الإعطاء ويحل للآخذ الأخذ، لأنه أنعم عليه بالنجاة عن الظلم قال النبي : “من أزلف إليه نعمة فليشكرها من غير فضل” ( )، وروي أبو داود في الأدب بسنده إلى جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  : “من أعطى عطاء فوجد فليجزيه، فمن لم يجد فليثن به، فمن أثنى به فقد شكره، ومن كتمه فقد كفره”.
واختلف في وضع الآخـذ فقال البعض لا يحل له الأخـذ لأنه أقام الواجب ومنهم من قال يحل وهو الصحيح لأن هذا بر وصلة وقاسوا هذه المسألة بما ذكر محمد رحمه الله عليه في كتابه الصلاة: إن الإمام أو المؤذن إذا جمع له القوم شيئا فأعطوه من غير شرط عليهم فما أحسن هذا فقد سمي ذلك حسنا، وإن كانوا لا يعطونه (ذلك الشيء) إلا بسبب الإمامة والآذان، لكن جعلك بمنزلة البر والصلة فكذا هذا.
وإذا لم يشترط صراحة ذلك اختلفت الفقهاء وعامتهم على أن يكره هذا إذا لم تكن بينهما مهاداة قبل ذلك لسبب من الأسباب أما إذا كانت بينهما مهاداة قبل ذلك لسبب صداقة أو قرابة فأهدي إليه كما كان يهدي قبل ثم إن المهدي إليه قام لإصلاح أمره فهذا أمر حسن لأنه مجازاة الإحسان بالإحسان.
* الحالة الثالثة والرابعة:
الرشوة لتقلد القضاء والرشوة للقضاء للراشي في هاتين الحالتين: لا يحل للآخذ الأخذ ولا للمعطي الإعطاء( ). وقيل في الحالة الرابعة أنه يحرم الأخذ سواء كان ذلك القضاء له بالجور أو بالحق، أما الجور فله وجهين:
أحدهما : أنه رشوة
والثاني: أنه يتسبب للقضاء بالجور، وأما بالحق فلوجه واحد وهو أنه أخذ المال لإقامة ما وجب عليه بدونه.
وأما الإعطاء فإن كان يجوز لا يحل وإن كان بحق كذلك، ولا ينفذ قضاؤه الذي ارتشي فيه( ).
ونظرا لأننا بصدد الركن المادي للجريمة وقد قلنا أن الرشوة تتم باتفاق بين الراشي و المرتشي نظير فائدة لكل منهما وإكمالا لما قلناه وأوردناه سنورد بعض ما ورد في مؤلفات الفقهاء لكي تعم الفائدة:

جاء في ابن عابدي، ج 4، ص 316 ( ):
الرشوة أربعة أنواع:
 الأول: ما هو حرام على الأخذ والمعطي وهو الرشوة على تقليد القضاء والإمارة.
 الثاني: ارتشاء القاضي ليحكم وهو كذلك حرام ولو القضاء بحق لأنه واجب عليه
 الثالث: أخذ المال ليسوي أمره عند السلطان دفعا للضرر أو جلبا للنفع وهو حرام على الأخذ فقط وحيلة حلها هي أن يستأجره يوما إلى الليل أو يستأجره يومين فتصير منافعه مملوكة ثم يستعمله في الذهاب إلى السلطان للأمر الفلاني.
وفي الأقضية قسم الهدية وجعل هذا من أقسامها فقال حلال من الجانبين كالإهداء للتودد وحرام منهما كالإهداء ليعينه على الظلم وحرام على الآخذ فقط، وهو أن يهدى ليكف عنه الظلم والحيلة أن يستأجره.
قال في الأقضية هذا كان فيه شرط ما إذا كان بلا شرط لكن يعلم يقينا أنه إنما يهدي ليعينه عند السلطان فمشى يظن أنه لا بأس به ولو قضى حاجته بلا شرط ولا طمع فأهدى إليه بعد ذلك فهو حلال لا بأس به وما نقل عن ابن مسعود من كراهته فروع.
 الرابع: ما يدفعه ليدفع الخوف من الدفوع إليه على نفسه أو ماله حلال للدافع حرام على الأخذ لأن يدفع الضرر عن المسلم واجب ولا يجوز اخذ المال ليفعل الواجب.
وجاء في حاشية الرهوني: (بعض العلماء قال: إذا عجزت عن إقامة الحجة الشرعية فاستعنت على ذلك بوال يحكم بغير الحجة الشرعية أثم دونك إن كان الحق جارية ليستباح فرجها، بل يجب ذلك عليك لأن مفسدة الوالي أخف من مفسدة الزنا والغصب وكذلك الزوجة وكذلك استعانتك بالأجناد فالجنود يأثمون ولا تأثم وكذلك في عصب الدابة وغيرها، وحجة ذلك أن الصادر من المعين عصيان لا مفسدة فيه، والجحد والغضب عصيان ومفسدة، وقد جوز الشارع الاستعانة بالمفسدة، لا من جهة أنها مفسدة على درء مفسدة أعظم منها كفداء الأسير فإن أخذ الكفار لمالنا حرام عليهم وفيه مفسدة إضاعة المال، فما لا مفسدة فيه أولى أن يجوز فإن كان الحق يسيرا نحو كسر وثمرة، حرمت الاستعانة على تحصيله لغير حجة شرعية، لأن الحكم بغير ما أمره الله به أمر عظيم لا يباح إلا باليسير.
ولكن السحت أن يستشفع بك على إمام فتكلمه فيهدي لك هدية فتقبلها، وروى شعبة عن منصور عن سالم بن أبي الحق عن مسروق، قال: سألت النبي عن الجور في الحكم فقال ذلك كفر وسألته عن السحت فقال الرشا وروى عبد الأعلى بن حماد حدثنا حماد عن أبان عن ابن أبي عياش عن مسلم أن مسروقا قال قلت لعمر يا أمير المؤمنين أرأيت الرشوة في الحكم من السحت قال لا ولكن كفر، إنما السحت أن يكون لرجل عند سلطان جاه ومنزلة ويكون للآخر إلى السلطان حاجة فلا يقضي حاجته حتى يهدي إليه.
وورد أيضا في نفس المكان، قال أبو بكر اتفق جميع المؤولين لهذه الآية على أن قبول الرشا محرم واتفقوا على أنه من السحت الذي حرمه الله تعالى والرشوة تنقسم إلى وجوه منها الرشوة في الحكم وذلك محرم على الراشي والمرتشي جميعا، وهو الذي قال فيه النبي  لعن الله الراشي والمرتشي والرائش وهو الذي يمشي بينهما فلذلك لا يخلو أن يرشوه ليقضي له بحقه أو بما ليس له حق فإن رشاه ليقضي له بحق فقد فسق الحـاكم بقبول الـرشوة على أن يقضي له بما هـو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم بقبول الرشوة على أن يقضي له بما هو فرض عليه واستحق الراشي الذم حين حاكم إليه وليس بحاكم ولا ينفذ حكمه لأنه قد انعزل عن الحكم بأخذ الرشوة كمن أخذ الأجرة على أداء الفروض من الصلاة والزكاة والصوم ولا خلاف في تحريم الرشا على الأحكام وأنها من السحت الذي حرمه الله في كتابه وفي هذا دليل على أن كل ما كان مفعولا على وجه الفرض والقربة إلى الله تعالى أنه لا يجوز أخذ الأجرة عليه، كالحج وتعليم القرآن والإسلام ولو كان أخذ الإبدال على هذه الأمور جائز لجاز أخذ الرشا على إمضاء الأحكام فلما حرم الله أخذ الرشا عن الأحكام واتفقت الأمة عليه دل ذلك على فساد قول القائلين بجواز أخذ الإبدال على الفروض والقرب وإن أعطاه الرشوة على أن يقضي له بباطل فقد فسق الحاكم من وجهين أحدهما أخذ الرشوة والآخر الحكم بغير حق وكذلك الراشي، وقد تأول ابن مسعود ومسروق السحت على الهدية في الشفاعة إلى السلطان وقال أن أخذ الرشا على الأحكام كفر وقال علي رضي الله عنه وزيد بن ثابت ومن قدمنا قوله الرشا من السحت، وأما الرشوة في غير الحكم فهو ما ذكره ابن مسعود ومسروق في الهدية إلى الرجل ليعينه بجاهه عند السلطان وذلك منهي عنه أيضا لأن عليه معونته في دفع الظلم عنه قال الله تعالى: وتعاونوا على البر والتقوى وقال النبي : “لا يزال الله في عون المرء مادام المرء في عون أخيه”.
ووجه آخر من الرشوة هو الذي يرشو السلطان لدفع ظلمه عنه فهذه الرشوة محرمة على آخذها غير محظورة على معطيها وروى عن جابر ابن زيد والشعبي قالا لا بأس بأن يصانع الرجل عن نفسه وماله إذا خاف الظلم وعن عطاء وإبراهيم مثله وروي هشام عن الحسن ليحق باطلا أو ليبطل حقا فأما اندفع عن مالك فلا بأس وقال يونس عن الحسن لا بأس أن يعطي الرجل من ماله ما يصون به عرضه وروى عثمان بن الأسود عن مجاهد قال: اجعل مالك جبنة دون دينك ولا تجعل دينك جبنة دون مالك.
وروى سفيان عن عمر وعن أبي الشعتاء قال لم نجد زمن زياد شيئا أنفع لنا من الرشا فلهذا الذي رخص فيه السلف إنما هو في دفع الظلم عن نفسه بما يدفعه إلى من يريد ظلمه أو انتهاك عرضه وقد روى أن النبي  لما قسم غنائم خيبر وأعطى تلك العطايا الجزيلة أعطى العباسي بن مرداس السلمي شيئا فسخطه فقال شعرا فقال النبي : اقطعوا عنا لسانه فزادوه حتى رضي وأما الهدايا للأمراء والقضاة فإن محمد بن الحسن كرهها و إن لم يكن للمهدي خصم ولا حكومة عند الحاكم ذهب في ذلك إلى الحديث أبي حميد الساعدي في قصة ابن الليثية.
وجاء في المحلى ( ):
ولا تحل الرشوة وهي ما أعطاه المرء ليحكم له بباطل أو ليولى ولاية أو ليظلم له إنسانا فهذا يأثم والمعطى والأخذ فأما من منع من حقي فأعطى ليدفع عن نفسه الظلم فذلك مباح للمعطي وأما الأخذ فآثم، وفي كلا الوجهين فالمال المعطى باق على ملك صاحبه الذي أعطاه كما كان كالغصب ولا فرق.
وجاء في الحلال والحرام( ):
(ومن كان حق مضيع لم يجد طريقة للوصول إليه إلا بالرشوة أو وقع عليه ظلم ولم يستطع دفعه عنه إلا بالرشوة فالأفضل أن يصبـر حتى ييسر الله له أفضل السبل لرفع الظلم ونقل الحق، فإن سك سبيل الرشوة من أجل ذلك فالإثم على الأخذ المرتشي وليس عليه إثم الراشي في هذه الحالة مادام قد جرب كل الوسائل الأخرى فلم تأت بجدوى وما دام يرفع عن نفسه ظلما أو يأخذ حقا له دون عدوان على حقوق الآخرين).
وقد استدل بعض العلماء على ذلك بأحاديث المحلفين الذين كانوا يسألون النبي  من الصدقة فيعطيهم وهم لا يستحقون فعن عمر أن النبي  قال: “إن أحدكم ليخرج بصدقته من عندي متأبطها يحملها تحت إبطه، وإنما هي له نار! قال عمر: يا رسول الله كيف تعطيه وقد علمت إنها له نار؟ قال: “فما أصنع؟ يأبون إلا مسألتي ويأبى الله عز وجل لي البخل”.
-محل النشاط الإجرامي:
محل النشاط الإجرامي هنا هو المال أو المنفعة أو الفائدة أو الهدية التي تقدم للمرتشي.
ويستدل على أن تكون قيمة الرشوة المال بما روي عن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه أنه كان بالحبشة فرشا بدينارين حتى خلى سبيله وقال أن الإثم على القابض دون الدفع( ).
وقد تكون حليا من الذهب ويستدل على ذلك ما جاء في الموطأ “أن رسول الله  كان يبعث عبد الله بن رواحة رضي الله عنه إلى خيبر، فيخرص بينه وبين يهود خيبر فجمعوا له حليا من حلي نسائهم فقالوا هذا لك وخفف عنا، وتجاوز في القسم فقال عبد الله يا معشر يهود الله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي”.
وقد تكون من المأكولات ويستدل على ذلك بما ذكر عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه نزل منزلا بالشام فأهدى إليه تفاح فأمر برده فقال له عمر بن قيس: يا أمير المؤمنين: أما علمت أن رسول الله  كان يأكل الهدية؟
فقال: ويحك يا عمر وإن الهدية كانت لرسول الله  هدية وهي لنا رشوة( ). وقد تكون (عبارة) هدية من أي نوع.
وقد تكون الفائدة أو المنفعة متمثلة في الاستعارة فيحرم على الموظف أو الوالي أو القاضي قبولها لأن الاستعارة من الأمور التي يلزم اجتنابها لأن ذلك وسيلة إلى الرشوة.
وعلى الجملة فإننا نقول أن الشريعة الإسلامية قد حرمت جميع صور الفائدة أو المنفعة في جميع صورها ومسمياتها إذا وقعت بقصد الرشوة فلا تقتصر على النقود والحلي وجاء في ابن عابدين ( ) وذكر الهدية ليس احتراز إذ يحرم عليه الاستقراض والاستعارة فمن يحرم عليه قبول هديته قال: ومقتضاه أنه يحرم عليه سائر التبرعات فتحرم المحاباة أيضا، ولذا قالوا له أخذ أجرة كتابة الصك بقدر أجرة المثل.
فإن مفاده أنه لا يحل له أخذ الزيادة لأنها محاباة على هذا مما يفعله بعضهم من شراء الهدية بشيء يسير أو بيع الصك بشيء كثير لا يحل وكذا ما يفعله بغضهم حين أخذ المحصول من أنه يبيع به الدافع دواة أو سكينا أو نحو ذلك لا يحل لأنه إذا حرم الاستقراض أو الاستعارة بهذا أولى”
الفقرة الثالثة: القصد الجنائي:
القصد في القانون الجنائي نوعان: قصد عام وقصد خاص.
والقصد العام هو أن يكون الجاني عالما بأركان الجريمة، وعناصرها وظروفها ونتائجها.
والقصد الخاص هو الذي يتطلب فوق العلم والإرادة نية تتجه إلى غاية كنية خبيثة (نية الإضرار أو الغش أو الإساءة) فالقصد هنا هو درجة من العلم أخص( ). والشريعة الإسلامية تعرف القصد الجنائي لأن النيات يعاقب عليها قال رسول الله : “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى” فالنية هي القصد الجنائي .
وقال تعالى في سورة الأحزاب: “وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكنت ما تعمدت قلوبكم”.
والقصد المطلوب في جريمة الرشوة نعتقد أنه هو القصد الخاص فيجب أن يكون الراشي عالما بأنه يقدم الوعد أو الفائدة للقاضي أو الحاكم أو الوالي (المرتشي) لكي يخل بواجباته.
وعلى ذلك أبيح لمن كان يهدى إليه قبل التحاقه بالوظيفة لأن النية هنا للتحبب ليس إلا، قال رسول الله  : “تهادوا تحابوا” وقد ورد في المذهب “وأما من كانت له عادة أن يهدي إليه قبل الولاية برحم أو مودة فإنه إن كانت له في الحال حكومة لم يجز قبولها منه لأنه لا يأخذ في حال بينهم فيه وإن لم يكن له حكومة، فإن كان أكثر مما كان يهدي إليه أو أرفع منه لم يجز له قبولها لأن الزيادة حرمت بالولاية، وإن لم يكن أكثر ولا أرفع ما كان يهدي إليه جاز قبولها لخروجها من تسبب الولاية والأولى ألا يقبل لجواز أن يكون قد أهدي إليه لحكومة منتظرة” ( ).
وجاء في الفتاوي الهندية:
يجوز للقاضي قبول الهدية ممن لا خصومة له وكان بين المهدي والمهدى إليه مهاداة قبل القضاء بسبب قرابة كهدية رحم محرم إليه حيث لا يجوز الحكم له أو صداقة فهذه يجوز قبولها بشرط ألا يزيد عما كان يهديه قبل القضاء”.
الفقرة الرابعة، رشوة المستفيد:
والراشي والمرتشي غالبا ما يتم الإتقان بينهما على الرشوة وإعطاء المقابل للمرتشي نفسه ولكن، يحدث أن يقدم الراشي مقابل الرشوة أو الفائدة أيا كانت إلى غير المرتشي كن يقدمها لابن المرتشي أو زوجته أو أحد أقاربه.
وجاء في شرح أدب القاضي : ص 74 مسألة 209 وإن رشا الطالب ولد القاضي، أو كاتب القاضي أو أحد في ناحية القاضي، على أن يعينه عند القاضي ليقضي له وهو حق له فقضى القاضي وهو لا يعلم ذلك حتى قضى، فالطالب آثم فيما صنع، والقابض معاقب وهو حرام عليه، والقضاء نافذ، لأن القاضي لم يصر مستأجرا على القضاء لأنه لم يأخذ الرشوة فنفذ قضاءه.
وهذا يدل على أن الراشي إذا دفع الرشوة للمستفيد على أن يعاونه بأن يكلم له القاضي أن يقضي له فهنا جريمة الراشي والمستفيد تتم لأنها استوفت ركنيها المادي والمعنوي.
أما بالنسبة للقاضي فيفرق بين حالتين:
الحالة الأولى: إذا قدم الراشي الرشوة للمستفيد بدون علم القاضي وبعد ذلك علم وقضى ولم يعترض فنعتقد هنا أن القاضي يعتبر مرتشيا كما لو كان هو الذي اتفق مع الراشي.
الحالة الثانية: وهي حالة ما إذا قدم الرشوة للمستفيد وحكم القاضي بدون أن يعلم منا تم بين الراشي والمستفيد فالجريمة هنا تكون بالنسبة للراشي والمستفيد، أما القاضي فلا إثم عليه لأنه قضى وهو لا يعلم بما حدث بينهما وعلى ذلك يكون قضاؤه نافذا.

المطلب الثـاني: العقـوبة

جريمة الرشوة من الجرائم التعزيرية ويسميها البعض العقوبة التفويضية وهذه العقوبة مجالها واسع أمام الحاكم يؤدب به من يشاء على من يشاء بما شاء غير مقدر فيها بشيء ما، ولا في نوعها ولا في كمها ولا في كيفيتها مادام رائدة النظر والمصلحة وقصد الردع والتأديب وإقرار الحق والعدل.
لذلك يجدر بنا أن نتكلم عن العقوبات التي نرى أن تطبق في جريمة الرشوة وهي:
1-عقوبة الحبس، 2-عقوبة الغرامة، 3-عقوبة المصادرة، 4-عقوبة العزل من الوظيفة، 5-عقوبة الجلد والضرب، 6-عقوبات الحرمان.
وعلى ذلك فإن ولي الأمر أو القاضي من حقه أن يختار العقوبة أو العقوبات المناسبة ويوقعها على أطراف الجريمة مراعيا في ذلك أحكام شريعتنا الغراء وباستطاعته التشديد أو التخفيف، ونرى أن العقوبات التي بالإمكان تطبيقها على أطراف الرشوة تكون حسب الآتي:
الفقرة الأولى: عقوبة المرتشي
للقاضي توقيع العقوبات التالية عليه:
1-الحبس: الحبس في الشريعة الإسلامية ليس سجنا في مكان ضيق فحسب ولكنه تعويق الشخص ومنعه من التصرف بنفسه سواء أكان ذلك في بيت أو في مسجد أو في غيرها، وكان هذا هو السجن أو الحبس أيام النبي  وأبي بكر الصديق رضي الله عنه أما في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقد اشترى دارا لصفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم وجعلها حبسا( ).
والحبس أو السجن ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى: رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه ( )، وقوله تعالى: لئن اتخذت لها غير لأجعلنك من المسجونين ( ).

وقد شرعت عقوبة الحبس بالسنة النبوية الشريفة والإجماع وقد أورد القرطبي في أقضية الرسول الروايات والأحاديث التي تؤيد ذلك وللمصلحة العامة رأينا أن نورد بعضها للاستفادة وهي (اختلفت أهل الأمصار هل سجن رسول الله  وأبو بكر رضي الله عنه جدا أو لا؟ ( ).
فذكر بعضهم أنه لهما سجن ولا سجنا أحدا وذكر بعضهم أن رسول الله  سجن في المدينة في تهمة دم رواه عبد الرزاق والنسائي في مصنفهما من طريق نهرين حكم عن أبيه عن جده.
وذكر أبو داود في مصنفه قال حبس رسول الله  ناسا من قومي في تهمة دم.
وفي غير المصنف عن عبد الرزاق بهذا السن أن النبي  حبس رجلا في تهمة (دم) ساعة من نهار ثم خلى عنه.
ووقع في أحكام ابن زياد عن الفقيه أبي صالح أيوب بن سليمان: أن رسول الله  سجن رجلا أعتق شـركا له في عبد فأوجب عليه استتمام عتقه وقـال في الحديث: حتى باغ غنيمة له(..).
ويلاحظ أن عقوبة الحبس يعاقب بها على الجرائم البسيطة والجرائم الخطيرة.
2-الجلد والضرب: عقوبة مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع:
من القرآن قوله تعالى: واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن فإن أطعنكم فلا تبعوا عليهن سبيلا ( ).

-من السنة النبوية الشريفة: قوله : “لا يجلد فوق عشرة إلا في حد” وقوله في رواية أخرى: “لا يجلد أحد فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود الله تعالى”( )
-ومن الإجماع وقد عزر الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من حكام المسلمين وقال الفقهاء بجواز الجلد أو الضرب في التعزير وعلى ذلك انعقد إجماعهم.
واختلف في مقدار الجلدات التعزيرية من حيث الحد الأعلى والحد الأدنى وذلك باختلاف الآراء الفقهية.
3-المصادرة: الشريعة الإسلامية عرفت هذه العقوبة وقد أوردها ابن تيمية في كتابه الحسبة في الإسلام ومصدر هذه العقوبة السنة النبوية الشريفة وما فعله الصحابة والإجماع ومنها مصادرة آلات وسلع وكذا مصادرة أموال.
4-الغرامة: عقوبة معروفة في الشريعة الإسلامية الغراء وتوقع تعزيرا، وقد تكون الغرامة عقوبة أصلية وقد تكون مع غيرها وليس هناك حد أدنى أو أعلى لها.
5-العزل من الوظيفة والحرمان من تولي الوظائف ومباشرة الحقوق:
العزل من الوظيفة معناه حرمان الشخص من وظيفته وحرمانه تبعا لذلك من رابته الذي يتقاضاه عنها لعزله عن عمله، وهذه العقوبة تطبق في شأن كل موظف أخذ ما لا يحل له أخذه من الرشوة وغيرها، أو ارتكابه جزاء اقتراضه لهذه الجرائم التي أهدر معها الأمانة المعهودة إليه.
وهذه العقوبة توقع على الموظفين العموميين وقد عوقب بها الولاة والقضاء الذين ثبت قيامهم بارتكاب أمر ينكره عليه دينهم.
ومصدر هذه العقوبة أقوال الفقهاء والإجماع نذكر من ذلك قول ابن تيمية في السياسة الشرعية: “فلو عزل الشارب من الأربعين بقطع خبره أو عزله من ولايته كان حسنا” وقد ضرب ابن تيمية أمثلة لمن توقع عليهم تلك العقوبة منها:
1-من يقبل الهدية بسبب العمل
2-من يستخرج من العمال ما يريد أن يختص به هو ودويه.
3-ولي الأمر الذي يأخذ الرشوة أو الهدية
4-والأمير إذا فعل ما يستعظم
وعقوبة الحرمان عقوبة تعزيرية مثل حرمان بعض الأشخاص من مباشرة حقوقهم السياسية أو تولي الوظائف العامة مثل عمل القضاة.
الفقرة الثانية: عقوبة الراشي والرائش والمستفيد:
يمكن للقاضي أن يطبق نفس عقوبات المرتشي باستثناء عقوبة العزل من الوظيفة والحرمان من تولي الوظائف ومباشرة الحقوق أي يمكن أن يطبق على هذه الأشخاص : كل من عقوبات الحبس، والجلد أو الضرب وكذا الغرامة والمصادرة.
وما يمكن ملاحظته في كون عقوبة الرشوة تختلف من شخص إلى آخر ومن مكان إلى مكان والأمر في النهاية متروك للسلطة التقديرية للقاضي



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *