التطور التاريخي لظاهرة الرشوة Corruption in Islam

Spread the love

موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة (4)

فصل تمهيدي : مفهوم الرشوة التاريخي وبعض أنواعها

المبحث الثاني: التطور التاريخي لظاهرة الرشوة

المطلب الأول: الشريعة الإسلامية
بالنسبة لجريمة الرشوة فإننا سنرى أن الشريعة الإسلامية قد عرفتها وعالجتها معالجة ناجحة منذ أكثر من أربعة عشر قرنا من الزمان وهذا ما سنراه مؤيدا بالأدلة القاطعة من كتاب الله عز وجل ومن سنة نبيه الأمين وصحابته الكرام وإجماع الفقهاء والأئمة.
وما تجدر الإشارة إلى أن الرشوة تعتبر من الجرائم التعزيرية التي قامت الشريعة الإسلامية الغراء بتعريفها ونظمتها ووضعت لها من الأسس والقواعد ما يجعلها تردع المجرم وتزجره وتصلحه في الوقت ذاته ويستطيع القاضي العادل أن يختار العفوية المناسبة من العقوبات التعزيرية ويعاقب بها الإثم.
وأدلة تحريم الرشوة ثابتة بنصوص القرآن والسنة فقد جاء في القرآن قوله تعالى:  ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام لتأكلوا فريقا من أموال الناس بالإثم وأنتم تعلمون ( ). إن حكم هذه الآية ينطبق على مجتمعنا الحاضر الذي كثرت فيه الشكاوي والدعاوي في المحاكم، فكثير من الناس يستلون على مال الغير ظلما عن طريق المحاكم التي تبني أحكامها على الأدلة الظاهرة وهم يمهدون لذلك عن طريق استغلال بسطاء القلوب ورشوة بعض المتفندين والشهود والخبراء، ونلاحظ أن الآية الكريمة ذكرت رشوة الحكام ولم تذكر سواهم لكثرة حدوث هذا النوع من الرشوة ولأن ضررها خطير ( ).
وجاء في الحديث الشريف: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما” (رواه أحمد والطبراني).
ومما رواه ابن جرير عن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي  قال: “كل لحم أنبتته السحت فالنار أولى به، قيل وما السحت قال: الرشوة في الحكم” ( ).
“إن الرشوة هي ما يعطيه الشخص لحاكم أو غيره ليحكم له أو يحمله على ما يريد” ( ).
وهكذا واستنادا لكل ما سبق، يتضح أن جريمة الرشوة في الشريعة الإسلامية لها أطراف ثلاثة:
 أن يتوفر المرتشي على صفة معينة كصفة القاضي أو والي أو أن يكلف شخص بخدمة لعامة الناس بمعنى متوليا أمرا من أمور المسلمين.
 أن تكون الرشوة أو الهدية المقدمة إلى المرتشي لأداء خدمة أو قضاء حاجة كأن يقدم المحكوم إلى المحاكم هدية بغية نيل حق أو دفع ضرر عنه أو طلب شيء بغير وجه حق.
 توفير الجاني على نية إجرامية، أي على الراشي أن يقدم الهدية كرشوة وأن يقبلها المرتشي على أنها كذلك، وإن انتفت هذه النية فإنه لا جريمة في الأمر، علما أن الرسول  كان يقبل الهدية ويثيب عليها، ولا غرابة في تجريم الإسلام لجريمة الرشوة وتشديده على كل من اشترك فيها فإن شيوعها في المجتمع شيوع للفساد والظلم ولروح النفعية وانعدام العدل والتوازن ( ).

المطلب الثاني: القانون المغربي:

لقد استأثرت هذه الجريمة باهتمام المشرع الجنائي المغربي، يشهد بذلك مساحة النصوص التي يفردها لها.
وهكذا فقد تصدى لها بالتجريم منذ صدور أول قانون جنائي سنة 1953 المواد: من 180 ى 188 ثم نص عليها قانون 26 نوفمبر 1962 المواد: 248 وما بعدها، والتي مازالت تطبق إلى اليوم.
لكن ومع تصاعد وثيرة هذه الجريمة في الواقع العملي وتسر بها إلى الجهاز الإداري بشكل يدعو للقلق، تدخل المشرع المغربي لإعادة النظر في النصوص المتعلقة بالرشوة هادفا الضرب بشدة على أيدي المستهترين العابثين بمصالح المواطنين، حيث بدت النصوص السابقة قاصرة عن مواجهة الخطر الذي بدأ يدق على أبواب المصالح الإدارية إذا لم يزجر وبصرامة مرتكبو هذه الجريمة، فأصدر بذلك قانون : 20 مارس 1965 أحدث بموجبه محكمة العدل الخاصة عهد إليها بزجر مرتكبي جناية الرشوة واستغلال النفوذ والاختلاس والغدر، من الموظفين العموميين ومن في حكم.
وبذلك تغير نوع الجريمة التي تبث في المحكمة من جنحة كما كانت في النصوص السابقة إلى جناية، وتشددت العقوبة تبعا لذلك، لكن دون اشتراط نصاب معينة، إلا أن مرسوم : 11-12-1965 أدخل تعديلات على المادة الأولى من القانون السابق، بمقتضاه أصبحت محكمة العدل الخاصة غير مختصة في نظر الجرائم الأربعة السابق، ما لم يكن المبلغ المتحصل عليه منها لا يقل عن 2000 درهم، ثم رفع هذا النصاب مرة أخرى بموجب ظهير 20 مارس 1965، وأعاد تنظيم المحكمة من جديد بحيث أصبحت محكمة العدل الخاصة مختصة فقط إذا كان مجموع المبالغ أو المنافع أو المزايا المحصل عليها من جريمة الرشوة أو الجرائم الأخرى، لا تقل عن 5000 درهم (المادة 1 من ظهير 1972) وتغير هذا النصاب من جديد بموجب ظهير 25 دجنبر 1980 الذي اشتراط أن يكون مجموع المبالغ النقدية المختلسة أو المبددة أو المحجزة بدون حق أو المنافع المحصل عليها بصفة غير قانونية تبلغ قيمة تساوي أو تتجاوز 25000 درهم (م 21 ق 1) وهكذا وترتيبا لما سبق إذا كان الاختصاص لا ينعقد لمحكمة العدل الخاصة بالنظر في جرائم الرشوة. واستغلال النفوذ والاختلاس والغدر، التي يرتكبها الموظفون العموميون إلا لتحقق النصاب المحدد في المادة 31 من قانون 1980، فهذا يعني أن المحاكم العادية تبقى مختصة بالنظر في هذه الجرائم كلما لم يتحقق هذا النصاب وفي الأخير، لابد من الإشارة إلى أن المشرع الجنائي المغربي قد نهج في تجريمه للرشوة نهج التشريعات التي تعتبر أن الرشوة تتكون من جريمتين مستقلتين (مذهب ثنائية الرشوة) هما جريمة المرتشي التي يرتكبها الموظف العمومي أو الرشوة السلبية كما يسميها الفقه الفرنسي وجريمة الراشي أي صاحب الحاجة (الرشوة الإيجابية)، فإذا كان الراشي يمهد لارتكاب الجريمة ويسهل افتراضها، فإن المرتشي يضعها موضوع التنفيذ، ثم إنه وأمام تسلسل الرشوة إلى داخل المشروعات الخاصة وتمكنها من نفوس العمال والمستخدمين والموكلين بأجر، عمد المشرع الجنائي المغربي إلى تجريم الرشوة التي قد يرتكبها هؤلاء (م249 ق ج).
وقد أحسن المشرع الجنائية المغربي باعتناقه مبدأ ثنائية الرشوة لأن ذلك من شأنه تشديد العقاب على كل من المرتشي (م248 إلى 249) من ق ج و م، 35 من ظهير 1972) والراشي (م 251 ق ج ) على حد سواء ثم إنه يسمح باستقلال الجريمتين في المسؤولية والعقاب.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *