الوقف ودوره في تنمية المجتمع
الفصل الأول: مفهوم الوقف وأحكامه: أركانه… وشروطه
المبحث الرابع: التصرفات التي تجري على الوقف

في هذا المبحث سنتطرق إلى أهم التصرفات التي تجري على الوقف والمتمثلة أساسا في استبدال الوقف (المطلب الأول) وإجارة الوقف في (المطلب الثاني).
المطلب الأول: استبدال الوقف:
الاستبدال هو بيع العين الموقوفة وشراء عين أخرى وجعلها وقفا بدلا منها، أو نقل الوقف من عين إلى أخرى.
وقد اختلفت آراء الفقهاء في جواز الاستبدال وذلك على التفصيل التالي:
أولا: مذهب الحنفية:
يعتبر الفقه الحنفي أكثر المذاهب توسعا في هذا الباب ، حيث أجازه في معظم الأحوال مادام ذلك يحقق مصلحة، سواء كان ذلك من الواقف نفسه، أو من غيره أو من الحاكم، وسواء كان الموقوف عامرا أو غامرا، إلا أن فقهاء الحنفية ليسوا جميعا على نسق واحد في التطبيق، وإن اتفقوا على أصل الحكم، بل كان لهم شيء من النظر المختلف في بعض المسائل تبعا لاختلافهم في بعض أصول هذه المسائل ( )
ثانيا: مذهب المالكية:
يذهب المالكية إلى القول بعدم جواز استبدال الوقف، وهم يفرقون في ذلك بين العقار والمنقول، حيث منع المالكية استبدال العقار الموقوف إلا في حالات تدعو لها الضرورة وهي من القلة بحيث قد لا توجد.
فقد منع الإمام مالك استبدال العقار منعا باتا في حالة إذا كان مسجدا، أو في حالة إذا كان عقارا غلة فلا يباح بيعه والاستبدال به إلا لضرورة توسيع مسجد أو مقبرة أو طريق عام( ). أما الاستبدال المنقول فقد أجازه فقهاء المالكية، إذا دعت إلى ذلك مصلحة وهو الرواية المشهورة عن الإمام مالك، وذلك لأن منع الاستبدال قد يؤدي إلى إتلاف المنقول، ولذلك قرر المالكية أن الموقوف إذا كان حيوانا اعتراه ضعف أو ثيابا اعتراها الخلق، استبدلت بما هو أنفع منها( ).
والأساس في التفرقة بين المنقول والعقار، هو في رجاء الانتفاع في المستقبل في العقار، فمنعوا استبداله، وعدم رجاء ذلك في المنقول فقالوا بجواز استبداله.
ثالثا: مذهب الشافعية
تشدد الشافعية أكثر المالكية في موضوع استبدال الوقف حتى كادوا أن يمنعوه مطلقا، حيث يرون أن الاستبدال قد يؤدي إلى ضياع الوقف وتبديده.
وبالرجوع إلى كتب الشافعية نجد أنهم تكلموا في استبدال بعض المنقول من الوقت –مع التضييق الشديد- ولا تعدو الصور التي يجري البحث في مشروعية استبدالها أو عدم مشروعيته أن تكون: نخلة فجفت، أو بهيمة فزمنت، أو جذوعا على مسجد فتكسرت، وهذه الصور التي انتفت المنفعة منها هي التي دار خلاف الشافعية حولها( ).
يتضح من هذا أن الشافعية قد تشددوا في استبدال المنقول، مع أن المالكية لم يتشددوا فيه ذلك التشدد.
وقد بلغ من تشدد الشافعية في منع الاستبدال أنهم منعوا بيع الوقف ولو في حال عدم الصلاحية إلا بالاستهلاك، فأجازوا للموقوف عليهم استهلاكه لنفسهم ولم يجزوا بيه( ).
وكل ما ذكرناه من أراء فقهاء الشافعية هو في وقف المنقول أو ما هو في حكمه أما العقار، فم يتعرضوا له، وكأنهم ذهبوا إلى أنه لا يمكن أن تسلب منفعته بحال، فمادام الأمر كذلك فلا يصح بيعه واستبداله ( ) إن القول بمنع استبدال الوقف من جانب الشافعية والمالكية قد يؤدي إلى بقاء الكثير من دور الأوقاف خاوية على عروشها لا ينتفع بها أحد و إلى بقاء بعض الأراضي الموقوفة غامرة ميتة لا تنبت زرعا، ولا تدر عائدا وفي ذلك ضرر مؤكد يلحق بالمستحقين في الوقف، ولا يحقق قصد الواقف ( ).
رابعا: مذهب الحنابلة:
جاء المذهب الحنبلي في استبدال الوقف وسطا بين المذهب المالكي والشافعي، وبين المذهب الحنفي الذي توسع في هذا المجال، وقد وضح تساهلهم في إجازة بيع المسجد إذا صار غير صالح للغاية المقصودة منه، وفي ذلك يقول ابن قدامة:
“إن الوقف إذا خرب وتعطلت منافعه، كدار انهدمت، أو أرض خربت وعادت مواتا ولم تمكن عماراتها، أو مسجد انتقل أهل القرية عنه، وصار في موضوع لا يصلى فيه، أو ضاق بأهله ولم يمكن توسيعه في موضوعه، أو تشعب جميعه ولم تمكن عمارته ولا عمارة بعضه إلا ببيع بعضه، جاز بيع بعضه لتعمر به بقيته، وإن لم يكن الانتفاء بشيء منه بيع جميعه” ( ).
ويتضح من هذا أنهم يفتحون –في المذهب الحنبلي- باب الاستبدال ولكنهم يقصرونه على حال الضرورة، وهي ألا يكون الموقوف صالحا للغرض الذي كان منه، فلم يعد صالحا للانتفاع به على الوجه الذي رصد من أجله، ولذا لم يجيزوا الاستبدال إذا كان للإكثار من الغلة مع بقاء أصل الانتفاع المقصود( ).
يتضح مما تقدم أن أقوال الفقهاء في استبدال الوقف، يمكن إيجاز في قولين: ( ) الأول لا يجوز بيع الوقف وإبداله، إذا تعطلت منافعه ومصالحه، وهذا هو المعمول به عند المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، أما القول الثاني أنه يجوز بيع الوقف وإبداله إذا تعطلت منافعه للمصلحة، و هذا هو مذهب الحنفية، وبعض المالكية، والصحيح من مذهب الإمام أحمد وهو الأصح عند الشافعية، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية بل إنه ذهب إلى جواز بيعه وإبداله، وإن لم تتعطل منفعته بالكلية، مادام هناك مصلحة للوقف وهو قول للحنفية، فيما إذا لم يشترط الواقف الاستبدال.
إلا أن الرأي الراجح بعد عرض آراء الفقهاء في استبدال الوقف، وبيان أدلتهم هو القول بجواز استبدال الوقف عقارا كان أم منقولا، سواء أكان مسجدا أم غيره، على أن تكون هناك ضرورة تقضي بذلك، أو مصلحة محققة وعلى أن يكون ذلك بإذن من القاضي.

المطلب الثاني: إجارة الوقف:
إن ما تقتضيه النظارة على الوقف أن يتصرف الناظر في الوقف بما يجلب المصلحة، ويدفع المفسدة، ومن ذلك إيجار الوقف.
وإجارة الوقف كإجارة الملك فيما يشترط لانعقادها وصحتها ونفاذها، وفي العاقدين، والمعقود عليه، والصيغة وما يترتب عليها من الأحكام، غير أن الاحتياط لجانب الوقف، ورعاية مصلحته، اقتضيا أحكاما خاصة بإجارة الوقف في مواضع( ) أهمها: من يملك تأجير الوقف (أولا) مقدار الأجرة (ثانيا) مدة الإجارة (ثالثا).
أولا : من يملك تأجير الوقف
من المتفق عليه أن الناظر هو القائم على الوقف بما يصلحه من عمارته، واستثماره بالإجارة ونحوها من مزارعه ومساقاة وغير ذلك، لأن له الولاية على الوقف، فإن لم يكن للوقف قيم أجرها القاضي، وأما مع وجود القيم فليس للقاضي ذلك، إذ ليس له حق التصرف مع وجود الناظر ( )، ولكن هل الموقوف عليه تأجير الوقف؟
اتفق الشافعية مع الحنفية في عدم جواز التأجير من قبل الموقوف عليه، وفي ذلك يقول الخطيب الشربيني: “لكن لا يؤجر أي الموقوف عليه إلا إذا كان ناظرا أو إذن له الناظر في ذلك”( ).
وإذ انتهينا إلى أن الناظر هو الذي يملك تأجير الأعيان الموقوفة، فغنه ليس له مطلق الحرية في تأجيرها لمن يشاء وإنما هناك بعض القيود بتعين عليه الالتزام بها، وهي عدم تأجير أعيان الوقف لنفسه ولا لولده الصغير المشمول بولايته، ولا لأصوله وفروعه وزوجته، الذين لا تقبل شهادتهم له، وذلك للبعد عن التهمة( ).
ثانيا: مقدار الأجرة:
الأصل في تأجير الوقف أن يكون باجرة المثل، فإن أجره الناظر باجره المثل، فتصرفه نافذ، وإذا أجره بأقل من أجرة المثل وكان النقص يسيرا صحت الإجارة( ).
أما التأجير بأقل من أجرة المثل بغبن فاحش، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا التأجير، حيث يرى الحنفية أن الناظر إذا أجر الوقف بأقل من أجرة المثل وبغبن فاحش، ترتب عليه فساد قعد الإجارة، وفي ذلك يقول ابن عابدين: “ويشترط أن يؤجر بأجرة المثل، وإلا لم يصح” ( ).
أما المالكية فقد ذهبت إلى أن الناظر إذا أجر العين الموقوفة بأقل من أجرة المثل، ضمن تمام الأجرة إن كان مليا، وإلا رجع على المستأجر( )، أما الشافعية فقد قال الشربيني: “أما إذا اجر العين الموقوفة عليه، فإنه يصح قطعا ولو بدون أجرة المثل، أما لو أجر الناظر الموقوف على غيره بدون أجرة، فإنه لا يصح قطعا”( ).
أما المذهب الحنبلي فقد حاء في الاقناع وشرحه ما يأتي:
“وإن أجر الناظر العين الموقوفة بأنقص من أجرة المثل صح عقد الإجارة، وضمن الناظر النقص عن أجرة المثل، إن كان المستحق غيره، وكان أكثر مما يتغابن به في العادة” ( ).
هذه هي أقوال الفقهاء في حكم تأجير الوقف بأقل من أجره المثل، ولكن قد يؤجر الناظر العين الموقوفة باجرة المثل، ثم يطرأ بعد تمام العقد ارتفاع أو انخفاض في الأجرة المسماة في العقد فما الحكم في هذه الحالة؟ من المتفق عليه بين الفقهاء أنه إذا طرا ما يؤدي إلى نقص أجرة المثل نقصا فاحشا، وطلب المستأجر إنقاص الأجرة أو فسخ العقد، فإنه لا يجاب إلا طلبه، وليس لمتولي الوقف إقالته( ).
أما إذا طرأ ما يؤدي إلى زيادة أجرة المثل بعد العقد – زيادة كبيرة عما سمى في العقد، فهل للناظر المطالبة بزيادة الأجرة أو فسح العقد؟
اختلف الفقهاء في ذلك على قولين، قول يرى أن على الناظر أن يفسح عقد الإجارة، ويعقد ثانية بالزيادة، وهذا هو الأصح عند الحنفية( ) وقول الشافعية( ). وقول آخر يرى صحة عقد الإجارة طالما كان بإجارة المثل، ولا يجوز فسخه، ولو حدثت زيادة فاحشة عن أجرة المثل لأن عقد الإجارة لازم عن المدة المتفق عليها.
وهذا هو رأي المالكية ( ) والحنابلة، وقول عند الحنفية، والأصل عند الشافعية.

ثالثا: مدة الإجارة
اختلف الفقهاء فيما يتعلق بمدة إجارة الوقف، ويدور الخلاف حول مسألتين:
المسألة الأولى: إطلاق مدة الإجارة أو تحديدها.
المسألة الثانية: حول مقدار المدة التي يؤجرها الوقف.
ففي المسألة الأولى: اختلف الفقهاء إلى اتجاهين اتجاه يرى أن إجارة الوقف لا تصح مطلقة، بل يجب تحديدها بمدة معينة عند التعاقد، و هذا هو رأي جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية( ) والحنابلة وبعض متأخري الحنفية( ).
أما الاتجاه الثاني فيرى جواز إجارة الوقف مطلقا، دون تحديد المدة و هذا ما ذهب إليه متقدمو الحنفية ( ).
والذي يظهر لنا أن القول الأول بتحديد مدة الإجارة هو الأولى بالقبول لأن المدة في إجارة الوقف إذا أطلقت ق يؤدي ذلك إلى إهمال الوقف وخرابه، وبالتالي إلى الأضرار بالمستحقين( ).
كما أن الأحوال تتغير بمرور الزمان وقد تؤدي إلى زيادة الأجرة أو نقصانها( ).
أما في المسألة الثانية التي تدور حول مقدار المدة التي يؤجر بها الوقف، فإن الفقهاء قد فرقوا بين حالتين:
حالة إذا اشترط الواقف في صك وقفيته مقدار المدة التي تؤجر بها العين الموقوفة، فهنا لابد من تنفيذ شرط الواقف، إذ لا يجوز مخالفة شرطه إلا للضرورة.
أما الحالة الثانية، إذا لم يشترط الواقف مدة محددة لإجارة الوقف وهنا اختلف الفقهاء على النحو الآتي:
فمذهب الحنفية والرأي الراجح عندهم والمختار للفتوى هو ثلاث سنين في الضياع، وسنة واحدة في غيرها، لأن الرغبات في الضياع لا تتوفر إذا نقصت المدة عن ثلاث سنين، وفي غيرها لا ضرورة إلى الزيادة عن سنة( ).
أما مذهب المالكية فيرى تقييد إجارة الوقف بمدة معينة، على عكس الشافعية الذي لم يفرق في الإجارة بين الوقف والملك المطلق، فكما أن المالك حر في تحديد مدة إجارة ملكه، فكذا من له حق إجارة الموقوف، فإذا لم يحدد الواقف في صك وقفيته مدة لإجارة وقفه، فيجوز تأجير العين الموقوفة، لأي مدة تبقى فيها العين المؤجرة غالبا( ).
وإذا كان الضابط العام في تحديد مدة الإجارة هو أن تبقى العين المؤجرة غالبا، فإنهم قالوا: المرجع في تحديد المدة هذه لأهل الخبرة.
أما الحنابلة فإنهم مثل الشافعية في التوسعة في إيجاره العين الموقوفة، عند عدم تحديد مدة الإجارة فهم يعطون الحق لمن يملك تأجير الوقف، في أن يؤجره المدة التي يراها مع مراعاة بعض القيود والضوابط وهي:
1-مراعاة العرف في إجارة أعيان الوقف على اختلاف أنواعها وطرق الانتفاع بها كالدور والبساتين والأراضي الزراعية.
2-جواز مخالفة شرط الواقف عند تحديد مدة الإجارة إذا كانت هذه المخالفة قد اقتضيتها الضرورة، أو لتحقيق مصلحة للوقف وإذا كان الأمر كذلك، من جواز مخالفة شرط الواقف للمصلحة، فإنهم أجازوا إجازة الوقف لمدة طويلة، إذا كان في ذلك مصلحة للوقف وبهذا قال ابن قيم رحمه الله( ).
بهذا نكون قد انتهينا من دراسة أحكام الوقف، لننتقل في فصل ثاني لإبراز الدور التنموي للوقف، داخل المجتمع الإسلامي.