الأجهزة المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين

13 October, 2009 | عــام

الأجهزة المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين

يسعى ميثاق الأمم المتحدة إلى الحفاظ على السلم والأمن الدوليين وقد جند لذلك مجموعة هامة من الأجهزة في المنظمة التي أوكلها هذه المهمة حيث أعطى لمجلس الأمن

سلطات واسعة ومجموعة وسائل تكسبه الكثير من الفاعلية لمواجهة كل ما يهدد السلم والأمن الدوليين على اعتباره أداة تكييف يتمتع بسلطة تقديرية واسعة في تحديد الإجراءات العقابية اللازمة ضد الدولة المخلة بالأمن الدولي.

كما يمكنه في هذا المجال استخدام المنظمات الإقليمية التي تشكل جزءا من نظام الأمم المتحدة هذه المنظمات التي تلعب هي الأخرى دورا أساسيا في حل النزاعات الإقليمية التي تنشأ بين أعضائها بالطرق السلمية، وأيضا عبر تطبيق التدابير القمعية.

وفي هذا الصدد لا يجب نسيان الدور الذي منحه الميثاق للجمعية العامة في مجال حفظ السلم والأمن الدولي حيث اعترف لها باختصاص مناقشة كل ما يدخل في نطاقهما واتخاذ التوصيات بهذا الخصوص، إلا أن فشل صاحب الاختصاص الأصلي في أداء مهامه دفع الجمعية العامة إلى التدخل السريع للقيام بهذا الدور في إطار ما عرف بالاتحاد من اجل السلم.

بالإضافة إلى هذه الأجهزة تلعب محكمة العدل الدولية دورا أساسيا في حل النزاعات الدولية فضائيا وبالتالي منع نشوب نزاعات مسلحة.



الفقرة الأولى: مجلس الأمن

الامم المتحدة

الامم المتحدة

أسند ميثاق الأمم المتحدة لمجلس الأمن العديد من الاختصاصات التي يمكن تصنيفها تحت بندين: الأول يمكن تضمنيه الاختصاصات الإدارية والثاني يتعلق بالاختصاصات الرئيسية، والتي يقوم من خلالها بحفظ الأمن والسلم الدوليين، فقد أوكلت المادة الرابعة والعشرون من الميثاق إلى مجلس الأمن مهام حفظ الأمن والسلم الدوليين، حيث جاء في فقرتها الأولى رغبة في أن يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعا وفعالا يعهد أعضاء تلك الهيئة إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين، ويوافقون على أن هذا المجلس يعمل نائبا عنهم في قيامه بواجباته التي تفرضها عليه هذه التبعات”. وفي هذا الصدد أتاح الميثاق للمجلس عدة وسائل والتي تتراوح بين الحل السلمي للمنازعات وبين حقه في استعمال القوة العسكرية لذلك بالنسبة للأولى فقد تناولها الفصل السادس وهي “المفاوضات والتحقيق والوساطة والتوفيق والتحكيم واللجوء إلى المنظمات الإقليمية وغيرها من الوسائل السلمية” على سبيل المثال وليس على سبيل الحصر، لأنه أنهى الفقرة بتقرير اللجوء إلى “غيرها من الوسائل السلمية” وفي هذا الصدد يمكن للمجلس أن يدعو أطراف نزاع معين إلى التسوية إذ رأى أنه من شانه أن يثير نزاعا دوليا كما أن له أن يوصي بما يراه ملائما لحل النزاع، ويدخل ذلك في نطاق التوصية فقط ولا يتجاوزها إلى الطابع الإلزامي على اعتبار أن أقصى ما يمكن أن يفعله المجلس هو بذل المساعي الحميدة لدى الدولتين لإزالة الخلاف بينهما، وفي هذا الصدد قام مجلس الأمن بتكليف الأمين العام للأمم المتحدة بإرسال مندوبيه لدى مصر وإسرائيل للمساعدة على إيجاد حل لمشكلة الشرق الأوسط ( ).
كما أنه بإمكانه حسب المادة السابعة والثلاثون في حالة إخفاق الدول المتنازعة في حل النزاع بالوسائل السلمية المذكورة في المواد 33 و 36. أن تحيله على مجلس الأمن و الذي يقوم بدراسته واتخاذ التوصية الكفيلة بحله في حالة إذا ما رأى أنه –أي النزاع- من شأنه أن يعرض الأمن والسلم الدوليين للخطر.
أما بالنسبة للتدابير العسكرية لحل النزاع فإنه يتم اتخاذها بالإضافة إلى التدابير غير العسكرية والتدابير المؤقتة في حالة وقوع تهديد السلم أو الإخلال به، أو وقوع عمل من أعمال العدوان.
أولا: التدابير المؤقتة
والتي تنص عليها المادة الأربعون من الميثاق التي تقول “منعا لتفاقم الموقف لمجلس الأمن قبل أن يقدم توصياته أو يتخذ التدابير المنصوص عليها في المادة التاسعة والثلاثون أن يدعو المتنازعين للأخذ بما يراه ضروريا أو مستحسنا من تدابير مؤقتة، ولا تخل هذه التدابير بحقوق المتنازعين ومراكزهم، وعلى مجلس الأمن أن يحسب لعدم أخذ المتنازعين بهذه التدابير المؤقتة حسابه.
ويقصد بالتدابير المؤقتة كل إجراء من شأنه الحيلولة دون تفاقم الوضع ويشترط في اتخاذها عدم الإخلال بحقوق المتنازعين أو التأثير على مطالبهم مثل الأمر بوقف إطلاق النار والذي قد تم فعليا في مجموعة من الحالات كحالة النزاع بين إيران والعراق سنة 1980 وكذا الأمر بوقف الأعمال العسكرية، والأمر بوقف الهجوم المسلح الذي شن على غينيا سنة 1970، والأمر بفصل هذه القوات، وهذه التدابير تختلف بحجم ومستوى النزاع المطروح وبالتالي فهي كثيرة ويصعب حصرها، وتجدر الإشارة إلى أن هذه التدابير لم يتم توضيحها وتفصيلها في منطوق المادة الأربعون ولكن الممارسة الدولية هي التي ابتكرتها من خلال مجموعة من القرارات الصادرة عن مجلس الأمن.
إن عملية اتخاذ التدابير المؤقتة يساهم إلى حد كبير في تطويق النزاع خاصة في الحالات التي يتم فيها إطلاق النار بين المتنازعين في انتظار اتخاذ التدابير الزجرية.
ثانيا: التدابير غير العسكرية
تنص المادة الواحدة والأربعون من الميثاق على ما يلي: لمجلس الأمن أن يقرر ما يحب اتخاذه من التدابير التي لا تتطلب استخدام القوات المسلحة لتنفيذ قراراته وله أن يطلب من الأعضاء في الأمم المتحدة تطبيق هذه التدابير، ويجوز أن يكون من بينها وقف الصلات الاقتصادية والمواصلات الحديدية والسلكية واللاسلكية وغيرها من المواصلات وقفا جزئيا أو كليا وقطع العلاقات الديبلوماسية”.
الملاحظ من هذه المادة أنها تتضمن تدابير ذات طبيعية عقابية، وإن لم يصل العقاب إلى حد استعمال القوة العسكرية، وبالصيغة التي وردت بها يمكن القول أنها تدابير ملزمة لمن وجهت إليه وبالتالي وجب عليه تنفيذها إلا في الحالة الاستثنائية المنصوص عليها في المادة 50 التي تعفى الدول التي تعاني من مشاكل اقتصادية ويصعب معها تطبيق التدابير المتخذة ضدها.
والجـدير بالذكـر أن مجلس الأمن تبقـى له سلطة تقديرية واسعة في اتخاذ التدابير التي يراها ضرورية، وذلك حسب خطورة الحالة، هذه الأخيرة التي لم يتم تطبيقها خلال فترة الحرب الباردة إلا في حالات نادرة مثل حالة روديسيا الجنوبية.
ثالثا: التدابير العسكرية
تنص المادة 42 من الميثاق على ما يلي: “إذا رأى مجلس الأمن أن التدابير المنصوص عليها في المادة 41 لا تفي بالغرض أو ثبت أنها لم تفي به، جاز له أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والآمن الدولي وإعادته إلى نصابه ويجوز أن تتناول هذه الأعمال المظاهرات أو الحصر والعمليات الأخرى بطريق القوات الجوية أو البحرية أو البرية التابعة لأعضاء الأمم المتحدة” فبموجب هذه المادة يحق لمجلس الأمن فضلا عن الجزاءات الاقتصادية أن يتخذ بطريقة القوات الجوية والبحرية والبرية من الأعمال ما يلزم لحفظ السلم والأمن الدولي وإعادته إلى نصابه ويجوز أن تشمل هذه العمليات عرض القوات والحصار، وغير ذلك من العمليات كما أن لمجلس الأمن اتخاذ هذا النوع من التدابير حتى ولو لم يسبق له أن اتخذ التدابير غير العسكرية حيث أنه يتمتع بسلطة تقديرية واسعة لتحديد الحالات التي يستوجب فيها التدخل العسكري تطبيقا للمادة 42 مادام الهدف هو حفظ السلم والأمن الدوليين.
ويتخذ المجلس مثل هذه القرارات بعد موافقة أغلبية أعضائه متضمنة الدول الدائمة العضوية.
أما فيما يخص تنفيذها فإنه يتعين بموجب المادة الثالثة والأربعون بأن تضع الدول تحت تصرف المجلس القوات المسلحة والمساعدات والتسهيلات اللازمة طبقا لاتفاقات تبرمها مع مجلس الأمن وتصادق عليها تتضمن عدد هذه القوات وأنواعها ومدى استعدادها وأماكنها، كما أنه يتم إلزام الدول بضرورة التوفر على وحدات جوية أهلية يمكن استخدامها فورا لأعمال القمع الدولية المشتركة ( ).
أما فيما يخص قيادة هذه القوات وحسب المادة 46 من الميثاق “يضعها مجلس الأمن بمساعدة لجنة أركان الحرب” ( )، هذه الأخيرة التي تتشكل من “… رؤساء أركان الحرب للأعضاء الدائمين في مجلس الأمن أو من يقوم مقامهم” ( ) كما يحق لها إنشاء لجان فرعية وإقليمية بعد التشاور مع الوكالات الإقليمية صاحبة الشأن( ).
بيد أن هذه الأحكام الواردة في الميثاق والمتعلقة خصوصا بلجنة أركان الحرب لم يتم تنفيذها حتى الآن حيث تم تجميد هذه الأخيرة بسبب الخلاف بين كل من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد السوفياتي –سابقا- خلال مرحلة الحرب الباردة، وهي الفترة التي تميزت باستعمال حق الفيتو بكثرة من طرف القوتين العظميين، مما ترتب عنه تجميد مجموعة من القرارات المتعلقة بالسلم الدولي، وبالتالي ظهور حركة تسعى إلى نقل اختصاصات المجلس إلى الجمعية العامة في مجال حفظ السلم والأمن الدوليين.

الفقرة الثانية: الجمعية العامة
تعتبر الجمعية العامة الجهاز الرئيسي للأمم المتحدة والمهيمن على نشاط باقي الأجهزة، التي تكون ملزمة بتقديم تقارير سنوية إلى الجمعية والتي –أي الجمعية- منحت بهذه الصفة حق مناقشة واتخاذ القرارات والتوصيات في كل المسائل التي تدخل في اختصاص منظمة الأمم المتحدة وهذا ما أكدته المادة العاشرة من الميثاق والتي نصت على أنه “للجمعية العامة أن تناقش أية مسألة أو أمر يدخل في نطاق هذا الميثاق أو يتصل بسلطات فرع من الفروع المنصوص عليها فيه أو وظائفه كما أن لها فيما عاد كما نصت عليه المادة 12 أن توصي أعضاء الهيئة أو مجلس الأمن أو كليهما بما تراه في تلك المسائل والأمور” والملاحظ من قراءة هذه المادة أن هذا الاختصاص الشمولي قد فرض عليه قيد مهم لفائدة مجلس الأمن ورد في المادة 12 والذي يمنع الجمعية من إصدار توصية بشأن نزاع ما إذا باشر مجلس الأمن العمل عليه، كما أن حصر مقرراتها في إطار إصدار توصيات لا تحمل طابع الإلزامية، يجعل من التدابير التي تتخذها مجرد تدابير سلمية تدخل في إطار الفصل السادس ولا ترقى بالتالي إلى مرتبة التدابير القسرية المنوه عنها في الفصل السابع ( ) مما يفسح المجال لمجلس الأمن صاحب الاختصاص الأصلي للانفراد باتخاذ القرارات أو التوصيات في جميع الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدوليين إلا أن كثرة استعمال حق الفيتو إبان الحرب الباردة بسبب الخلاقات بين المعسكرين الغربي والشرقي جعل دور المجلس باهتا في حل الأزمات الدولية، الشيء الذي دفع بعض الدول للبحث عن نظام بديل( )، وهذا ما تجسد مباشرة بعد اندلاع الأزمة الكورية حيث قامت الولايات المتحدة الأمريكية عن طريق وزير خارجيتها آنذاك “دين اتشيسون” بتقديم مشروع قرار شهير وافقت عليه الجمعية العامة في 3 نونبر 1950 عرف باسم قرار “الاتحاد من أجل السلام” ( ). وهو القرار الذي أقر بحق الجمعية العامة في الحلول محل مجلس الأمن في حالة فشله في حل النزاع المعروض عليه، فتنظر في ذلك في كل المسائل التي يمكن أن تشكل تهديدا للسلم والأمن الدوليين.
ولكي تتمكن من الاطلاع بهذا الدور نص القرار على إمكانية عقد الجمعية العامة لجلسات طارئة تعقد في ظرف أربعة وعشرون ساعة، كما اوصى بان يخصص كل عضو من أعضاء الجمعية العامة وحدات من الجيش يمكنها استخدامها فورا كوحدة ضمن وحدات الأمم المتحدة كما نصت على إنشاء لجنة الإجراءات الجماعية التي تتولى الإيصاء بالتدابير اللازمة للمحافظة على السلم والأمن الدوليين ومن بينها استعمال القوة المسلحة، ولجنة مراقبة المواقف والمنازعات التي تهدد السلم والأمن.
وما تجدر الإشارة إليه هو أن قرار “الاتحاد من اجل السلم” جاء في مرحلة اشتد فيها الصراع بين الاتحاد السوفياتي –سابقا- والولايات المتحدة الأمريكية في إطار الحرب الباردة، ففي الوقت الذي ضيق الخناق على الولايات المتحدة داخل مجلس الأمن سعت إلى التنفيس عن نفسها ومحاولة فرض سياستها على المستوى الدولي وذلك من خلال تحويل الاختصاص الأساسي للمنظمة في اتجاه الجمعية العامة بحكم أنها كانت تملك فيها الأغلبية وذلك بهدف محاصرة الاتحاد السوفياتي ومقاومة المد الشيوعي، لكن الوضع سرعان ما تغير مع استقلال مجموعة من الدول التي انضمت في الأمم المتحدة حيث أصبحت تشكل قوة عددية مما جعل الولايات المتحدة الأمريكية تتراجع عن تطبيق هذا القرار في حالات أخرى.
لقد أثار هذا القرار جدلا واسعا حول مدى صحته حيث انقسم العالم بين مؤيد ومعارض فالأوائل يرون أن من شأنه المساهمة في حل الأزمات الدولية والحفاظ على السلم والأمن الدوليين وأنه ينسجم مع روح المنظمة الأممية بينما يرى المعارضون أنه يشكل خرقا للميثاق على اعتبار أن مجلس الأمن هو وحده المخول صلاحية اتخاذ التدابير القمعية وأن الجمعية العامة يقتصر عملها على مناقشة المسائل المتعلقة بالسلم والأمن الدوليين وإصدار توصيات بشأنها إذا طلب ذلك مجلس الأمن وبغض النظر عن هذا الجدل الذي أثاره قرار “الاتحاد من أجل السلم” فإنه جاء ضعيفا وغير فعال ذلك بسبب عدم توفر الجمعية على أدنى الإمكانيات لتطبيق قراراتها حيث أنها لم تكن تملك جيشا مجهزا موضوعا تحت تصرفها لكي تتحرك به إلى مكان الأزمات كما أن ما يصدر عنها مجرد توصيات غير ملزمة للدول وبالتالي فإن قيامها بمهامها يبقى رهينا بمدى حماس الدول.
ومن ثم فقد اتضح أن قرار الاتحاد من اجل السلم لا يشكل إجابة حقيقية لأزمة الأمم المتحدة ولا يمكنه القيام بدور فعال إلا في ظل إجماع للدول الدائمة العضوية أو في حالة ما إذا كانت القوتين العظميين أو إحداهما على استعداد لتلقي بثقلها وإمكانياتها العسكرية وراء تنفيذ قرارات الدورة الطارئة للجمعية العامة أو “توصيتها”
الفقرة الثانية: أجهزة أخرى
بالإضافة إلى الأجهزة السابقة الذكر تلعب محكمة العدل الدولية دورا فعالا في الحفاظ السلم والأمن الدوليين، حيث تقوم بالتسوية القضائية للمنازعات الدولية ذات الطبيعة القانونية التي تتميز بإعطاء حلول ملزمة يتم التوصل إليها من داخل هذا الجهاز المختص والمستقل الذي يضمن العدالة للمتقاضين ومع اتساع ظاهرة الإقليمية أصبحت مهمة المحافظة على السلم والأمن الدوليين من أولويات المنظمات مما دفع الأمم المتحدة إلى استعمال المنظمات الإقليمية وسواء السياسية أو المختصة لتحقيق هذا الهدف.
أولا: محكمة العدل الدولية
تعد محكمة العدل الدولية الجهاز القضائي الأساسي للأمم المتحدة، وأتى اعتبار النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية جزءا لا يتجزأ من الميثاق تأكيدا على أهميتها بالنسبة إليه، و هذا ما نتج عنه اعتبار كل الدول الأعضاء في الأمم المتحدة بالضرورة أعضاء في النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، بل وذهب الميثاق إلى اكثر من ذلك حيث سمح للدول غير الأعضاء في المنظمة بالانضمام إلى هذا النظام، وذلك وفق الشروط التي تحددها الجمعية العامة بناء على توصية مجلس الأمن ( ).
وتماشيا مع طبيعتها الخاصة فإن أعضاء المحكمة ليسوا ممثلين لأحد ولا يخضعون لسلطة أي دولة حيث يتم اختيارهم لكفاءاتهم المهنية ولمؤهلاتهم القانونية العالية بغض انظر عن جنسيتهم، ويتم اختيارهم من طرف الجمعية العامة و مجلس الأمن بشكل مستقل من لوائح الترشيحات، ويمارسون مهامهم لمدة 9 سنوات ويتمتعون بحصانات وامتيازات عديدة لضمان استقلالهم في أداء وظيفتهم.
وبهذه التشكيلة أنيط بالمحكمة نوعان من الاختصاصات:
الأول: قضائي حيث تعمل على الفصل في المنازعات الدولية ذات الطبيعة القانونية ويقتصر حق التقاضي أمام المحكمة على الدول وحدها دون الأفراد أو الهيئات العامة أو الخاصة، هذا الاختصاص يبقى اختياريا وبالتالي لا تملك حق الفصل في نزاع دولي إلا في حالة مرافقة أطرافه، بإحالته عليها، وإخطارها رسميا بما هو مطلوب منها أن تفضل فيه، وفي حالة النص في اتفاقيات ثنائية أو متعددة الأطراف على اختصاص المحكمة بالفصل في المنازعات التي تثور حول تفسير أو تطبيق أحكام هذه الاتفاقيات، أما الاختصاص الثاني فهو إفتائي: فلمحكمة العدل الدولية صلاحية إبداء الرأي القانوني في أي مسألة قانونية في حالة ما إذا طلب منها ذلك، ويبقى حق طلب الرأي الاستشاري محصورا في كل الجمعية العامة ومجلس الأمن، أما فيما يخص القيمة القانونية لهذه القرارات فهي تبقى غير ملزمة.
وبالرغم من الاختصاص الاختياري للمحكمة وعدم إلزامية قراراها الاستشارية إلا أنها وعلى ما يبدو، لها دور هام في مجال الرقابة القضائية بشأن حفظ السلم والأمن الدوليين( ). فقيامها بالفصل في المنازعات الدولية يحد بشكل كبير من إمكانية اندلاع النزاعات التي تهدد السلم والأمن الدولي، ونفس الأمر ينطبق على حالة الآراء الاستشارية خاصة فيما يتعلق بطلب تفسير بعض بنود الاتفاقية الدولية، حيث أن الاختلاف في التفسير يؤدي في أغلب الأحيان إلى إشعال نار الحروب.
والواقع يؤكد نجاح المحكمة في الفصل في مجموعة من المشاكل الدولية، كالنزاع بين بريطانيا وفرنسا حول جزر مانكرو وأكردهو ونزاع الحدود بين هولندا وبلجيكا، وقضية مضيق كورفو وكذا القضية المتعلقة بالجرف القاري لبحر الشمال بين الدانمارك وهولندا وألمانيا الاتحادية ( ).
ثانيا: المنظمات الإقليمية
سعى ميثاق الأمم المتحدة إلى توظيف الوكالات والمنظمات الدولية الإقليمية بالطريقة التي تساعد على حفظ السلم والأمن الدوليين سواء العالمي أو الإقليمي، وذلك من خلال النص على مجموعة من المقتضيات التي تنظم عمل هذه التنظيمات وتشجع على إنشائها، حيث نصت المادة 52 من فقرتها الأولى على أنه “ليس في هذا الميثاق ما يحول دون قيام التنظيمات أو وكالات إقليمية تعالج من الأمور المتعلقة بحفظ السلم والأمن الدولي وما يكون العمل الإقليمي صالحا فيها ومناسبا ما دامت هذه التنظيمات أو الوكالات الإقليمية ونشاطها متلائمة مع مقاصد الأمم المتحدة و”مبادئها”.
وقد تناول الميثاق الإطار القانوني المنظم لعلاقة مجلس الأمن بالمنظمات الدولية الإقليمية على اختلاف أنواعها والتي جعلت من هذه الأخيرة كجزء من النظام العام للأمم المتحدة ( ) حيث أشار الميثاق إلا أنه من الأفضل أن يبذل أطراف النزاع الدولي جهودهم من اجل إيجاد تسوية سلمية لهذا النزاع في إطار إقليمي قبل عرضه على الأجهزة المختصة في الأمم المتحدة( ) كما أقر بحق مجلس الأمن باعتباره المسؤول الأول عن حفظ السلم والأمن الدولي في استخدام التنظيمات الإقليمية في أعمال القمع وغيرها من تدابير الأمن الجماعي حيث أنها –أي التنظيمات- لا يمكنها اللجوء إلى هذا النوع من الإجراءات إلا بعد الحصول على الإذن من المجلس ( ) والذي يجب أن يكون على علم تام بالأعمال والإجراءات التي تتخذها المنظمات الدولية المذكورة فيما يتعلق بمسائل حفظ السلم والأمن الدوليين.
الملاحظ أن استقراء الفصل الثامن المتعلق بالتنظيمات الإقليمية أنه قد تم التركيز بشكل كبير على نقطتين الأولى متعلقة بدور المنظمات الإقليمية في مجال التسوية السلمية للمنازعات الدولية في نطاق العلاقات بين أفرادها، والثانية تتعلق بمدى الإسهام الذي تستطيع هذه المنظمات الدولية الإقليمية أن تقدمه لمجلس الأمن ( ). فيما يتصل بتدابير القمع، فبالنسبة للحل السلمي للمنازعات الدولية يمكن القول أنه أصبح من أولويات أي منظمة سواء كانت عالمية أو إقليمية، والملاحظ أن منظمات إقليمية معينة ذهبت إلى أبعد من مجرد النص على المبدأ المذكور في صلب ميثاقها المنشئ ووضعت لنفسها ميثاقا خاصا للتسوية السلمية للمنازعات كما هو الحال في ميثاق “بوغوطا” الملحق بالنظام الأساسي لمنظمات الدول الأمريكية( ).
وفيما يخص علاقة الأمم المتحدة بالمنظمات الدولية الإقليمية فيما يتعلق بتدابير القمع الملاحظ أن هذه العلاقة تتحدد على نحو معين يتمثل في كون مجلس الأمن هو صاحب الاختصاص الأصلي في حفظ السلم والأمن الدوليين والاختصاص في اللجوء إلى تدابير القمع ضد أي دولة تنتهج سلوكا مخالفا يهدد السلم والأمن الدوليين وله وحده تقرير اللجوء إلى المنظمات حيث يمنحها رخصة لتنفيذ تدابير القمع.

إن المنظمات الإقليمية على المستوى النظري يمكنها لعب دور كبير وفعال في احتواء النزاعات الإقليمية إلا أن الواقع أظهر عجز بعضها عن أداء الدور المنوط بها.

مقتطف من الفصل الأول لبحث بعنوان ” تطور الوظيفة السلمية لمنظمة الأمم المتحدة” ضمن قسم القانون العام

4 thoughts on “الأجهزة المكلفة بحفظ السلم والأمن الدوليين

  1. مبروك عقيلة معمر ليبيا

    بكل الاسى والحزن والمرارة ان نجد بلادنا الحبيبة تنهار امام اعيننا ونحن واقفين وعاجزين عن ايجاد الحلول التى تمنع دمار بلادنالاول مرة فى حياتى بينى وبين نفسى لا اعرف حلا لقضية ما فالناس الذين فى الغرب اهلنا واحبابنا والذين فى الشرق اهلنا واحبابنا اتمنى من كل قلبى ان تتوقف اراقة الدماء فى هذه البلاد باسرع وقت واتمنى ان لا ارى بلادى منقسمة واتمنى ان يعود شملنا من جديد واتمنى ان احقق حلمى بزيارة جميع المدن والقرى الليبية حيث لم يزل الى شعبيتى غدامس ونالوت وبعض شعبيات الجنوب اتمنى من المجتمع الدولى ايجاد الحلول للازمة الليبية واتمنى من المسلمين التدخل لحل هذه الازمة ارجوكم ارجوكم ارجوكم يا عالم اناديكم بكل اللغات واللهجات

    Reply

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.