إثبات جريمة الرشوة & عقوبة الرشوة

23 October, 2009 | القانون الخاص

موقف القانون من ظاهرة الرشوة (المغرب كنموذج) – الفصل الثاني :

المبحث الرابع: إثبات جريمة الرشوة وعقوبتها
اعتبارا لأهمية الإثبات في الميدان الجنائي عموما وفي نطاق جريمة الرشوة بخاصة، فقد ارتأينا أن نتعرض بإيجاز لهذه النقطة أولا، ثم نحدد بعد ذلك العقوبة المقررة لهذه الجريمة ثانيا.

المطلب الأول: إثبات الجريمة
لم يحدد المشرع المغربي وسيلة خاصة لإثبات جريمة الرشوة وبذلك فهي تخضع للأحكام العامة للإثبات المنصوص عليها في قانون المسطرة الجنائية (الفصلين 288 و291) ولذلك فقد تثبت بالاعتراف – قضائيا كان أم غير قضائي-( ) كما قد تثبت حالة التلبس بالأوراق الصادرة عن المتهم أو عن الغير، أو بناء على محضر الضابطة القضائية في حالة التلبس بالجريمة، كما يمكن أن تثبت الرشوة بالشهادة، بما في ذلك شهادة المتهمين بعضهم على بعض.

كما تلعب القرائن دورا هاما في إثبات هذه الجريمة والتي يستخلصها القاضي من وقائع القضية المعروضة أمامه.
وعلى كل فإن خصوصية جريمة الرشوة تجعل للظروف والملابسات المحيطة بالفعل المادي للجريمة دور كبير في استجلاء عناصرها لاسيما القصد الجنائي لدى الجاني.

وفي هذا المعنى جاء في قرار صادر عن المجلس الأعلى بتاريخ : 1 فبراير 1964 : “إنه بمقتضى ف: 568 ق م ج فإن رقابة المجلس الأعلى لا تمتد إلى حقيقة الوقائع التي يشهد بثبوتها قضاة الزجر، ولا إلى قيمة الحجج التي حظيت بقبولهم، باستثناء الحالة التي يحدد فيها القانون قبول تلك الحجج بمقتضى ف: 288 ق م ج يمكن إثبات الجرائم بأية وسيلة من وسائل الإثبات ماعدا الأحوال التي يقضي فيها القانون بخلاف ذلك، ويحكم القاضي حسب اعتقاده الصميم.
وتنطبق هاتان القاعدتان على جريمة الارتشاء، إذ أن القانون لم يخضع إثباتها إلى حجة معينة”.

المطلب الثاني: عقوبة الرشوة

زجر المشرع الجنائي مرتكب الرشوة –كما يتضح ذلك من استقراء النصوص العائدة لهذه الجريمة سواء في المجموعة الجنائية أو في القانون المنظم لمحكمة العدل الخاصة – بعقوبات أصلية وأخرى إضافية.



الفقرة الأولى: العقوبات الأصلية
الملاحظ أن هذه العقوبات إما أن تكون جنحية وإما جنائية
أولا: العقوبات الجنحية
تتحدد هذه العقوبات في المادتين 248 و 249 من المجموعة.
وهكذا وعملا بالمادة 248 ق ج فقد عاقب المشرع الموظف العام – أو من في حكمه- المرتشي بعقوبة الحبس من سنتين إلى خمس سنوات، وهي نفس العقوبة التي فرضها المشرع على الراشي في المادة 251 ق ج.
أما إذا ارتكبت الرشوة في نطاق المشاريع الخاصة فإن العقوبة التي تطبق على الراشي والمرتشي فهي عقوبة الحبس من سنة إلى ثلاث سنوات (المادتان 249 و 251 ق ج) و إلى جانب العقوبة السالبة للحرية – بالتفصيل أعلاه – نجد المشرع قد فرض إلى جانبها، وبكيفية وجوبية غرامة مالية من مائتين وخمسين إلى خمسة آلاف درهم تطبق على المرتشي والراشي على السواء (تراجع المواد 248-249-251 ق ج).

ثانيا: العقوبات الجنائية
شدد المشرع عقوبة الرشوة –لتصبح جناية- إذا ما اقترنت بإحدى ظروف التشديد التالية:
أ-إذا كان الغرض من الرشوة القيام بعمل يكون جناية في القانون:
وردت هذه الحالة في الفصل 252 من مجموعة القانون الجنائي الذي يقول: إذا كان الغرض من الرشوة أو استغلال النفوذ هو القيام بعمل يكون جناية في القانون فإن العقوبة لتلك الجناية تطبق على مرتكب الرشوة أو استغلال النفوذ، والذي يلاحظ من النص السابق هو كفاية حصول الرشوة لتوقيع عقوبة الجناية التي وقع الاتفاق بصددها، وهكذا فلو اتفق عدل وآخر على تزوير في محرر رسمي في مقابل أن يأخذ هذا العدل مبلغا كرشوة، فإن المتفقان يعاقبان بعقوبة “جنائية” هي السجن المؤبد وسواء ارتكبت جريمة التزوير أو محاولتها أم لم يقع شيء من ذلك، وليس العقوبة المقررة في الفصل 248 من المجموعة، لأن الرشوة التي حصلت كان الغرض منها ارتكاب جناية التزوير في محرر رسمي.
ورجال الأمن الذين يأخذون مبلغا من المال من اجل التسهيل على بعض اللصوص السرقة في محطة أو ميناء أو مطار ليلا، يعاقبون بالسجن من عشرين إلى ثلاثين سنة بمجرد وقوع الاتفاق السابق حتى ولو عدل اللصوص عل هذه السرقة وهكذا( ).

ب-ارتشاء أحد رجال القضاء لإصدار حكم بعقوبة جناية ضد متهم:
وقد نص على هذه الحالة ف: 253 ق ج الذي قرر بأنه: “إذا كانت رشوة أحد رجال القضاء أو الأعضاء المحلفين أو قضاة المحكمة قد أدت إلى صدور حكم بعقوبة جناية ضد المتهم، فإن هذه العقوبة تطبق على مرتكب جريمة الرشوة”
ويشترط لتشديد العقوبة استنادا إلى هذا النص صدور حكم بعقوبة جناية بالفعل ضد المتهم، وسواء نفذ هذا الحكم فعلا ام لم ينفذ بعد، كان قابلا للطعن أم لا، وسواء كان المرتشي قاضيا للحكم أو للتحقيق أو قاضي النيابة العامة منتميا لمحكمة عادية أم استثنائية( ).
ج-إذا كانت قيمة المقابل في الرشوة تساوي أو تعدى خمسة وعشرون أف درهم:
في هذه الحالة فإن الرشوة تخرج من اختصاص القضاء العادي، باعتبارها جناية- وتختص بنظرها محكمة العدل الخاصة، (م: 31 من ظهير 1972 المعدل بظهير 25/12/1980 وتطبق عقوبة السجن من خمس سنوات إلى عشر، وغرامة من 1000 إلى 10.000 درهم (م: 35 من نفس الظهير).
والتساؤل الذي يطرح نفسه في هذا الصدد هو: هل اختصاص محكمة العدل الخاصة يشمل الراشي فضلا عن المرتشي إذا بلغ المقابل في الرشوة أو تجاوز نصاب 25000 درهم ؟ أم يقتصر على المرتشي وحده؟
-اختلفت الآراء الفقهية في هذا الخصوص، بين من يرى أن هذا الاختصاص ينحصر في نظر جريمة المرتشي دون الراشي، إلا إذا تحقق الارتباط بين الجريمتين أما إذا لم يتحقق هذا الارتباط فلا ينعقد الاختصاص لمحكمة العدل الخاصة بنظر جريمة الراشي حتى ولو بلغ المقابل في الرشوة –أو تعدى- النصاب المحدد لاختصاصها( ) بينما يرى البعض الآخر أن محكمة العدل الخاصة ينعقد لها الاختصاص في نظر جريمة الراشي متى بلغ المقابل في الرشوة أو تجاوز 25000 درهم، وسواء ارتبطت بجريمة المرتشي أم لم ترتبط بها( ).

-وفي اعتقادنا فإن اختصاص محكمة العدل الخاصة يجب أن يشمل جريمة المرتشي وجريمة الراشي على سواء، وذلك للاعتبارات التالية:
 إدراكا منا لخطورة الفعل الصادر عن الراشي (“صاحب الحاجة) والذي لا يقل في نظرنا خطورة عن فعل المرتشي، فإغراء الراشي وإلحاقه المستمر كثيرا ما يشجع بعض الموظفين عديمي الضمير المهني، ويحملهم إلى الاتجار في أعمال وظيفتهم والعبث بها كما يشهد بذلك الواقع، حيث أخذت الرشوة منحى تصاعديا ينذر بأوخم العواقب، مما يبرر التشدد إزاء كل أطراف الرشوة، راشين كانوا أم مرتشين.
 المفروض أن قيمة الرشوة متى بلغت نصاب 25000 درهم فإن عقوبتها تشدد وتصبح من اختصاص محكمة العدل الخاصة، وتكون جناية في نظر القانون وتخضع للقوبة المقررة في ف: 39 من قانون محكمة العدل الخاصة (السنة 1972)، فلا يعقل بعد ذلك أن يبقى الاختصاص قائما لمحكمة الموضوع بنظر جريمة الراشي حتى ولو وصلت أو تجاوزت هذا النصاب، فقد لعدم تحقق الارتباط بينها وبين جريمة المرتشي، كما يذهب إلى ذلك أنصار الرأي الأول.
 إن الصياغة التي جاءت بها المادة: 31 من ظهير أكتوبر 1972 لا تستثني من اختصاص محكمة العدل الخاصة جريمة الراشي وتخضع هي الأخرى لهذا الاختصاص متى وصلت المبالغ المقدمة النصاب المحدد لاختصاصها أو تجاوزته (انظر م: 31) أما إذا لم يتحقق هذا النصاب فالاختصاص يبقى معقودا لجهة القضاء العادي، وتطبق عندئذ المادة 251 القانون الجنائي.

الفقرة الثانية: العقوبات الإضافية
تعرض المشرع لهذه العقوبات في الفصلين 255 و 256 من المجموعة الجنائية ( ) وهي:
أولا: المصادرة
جاء في الفصل 255 ق ج بأنه “لا يجوز مطلقا أن ترد إلى الراشي الأشياء التي قدمها، ولا قيمتها بل يجب أن يحكم بمصادرتها وتمليكها لخزينة الدولة”
اعتمادا على النص أعلاه يلاحظ أن المصادرة لا تقع فقط على النقود التي تقدم رشوة كما هو الغالب وإنما تنصب على ما يكون الراشي قدمه فعلا كمقابل أيا كان (عقارات، جواهر، ذهب، فضة، أسهم، أو حصص في شركات…) وبذلك لا يمكن توقيع المصادرة قانونا على أشياء يكون الراشي قد وعد المرتشي بتقديمها له، كأن يعده بتمليكه لعقار أو أسهم في شركة لم يقم بإجراءات نق ملكيتها له بعد، بحيث لم يتعد الأمر الاتفاق بتقديمها كمقابل للعمل أو الامتناع الذي قام به الموظف.
ولا يكفي بداهة لتوقيع المصادرة على مقابل الرشوة التصريح بثبوت حيازة هذا المقابل إن فعلا وإن حكما من طرف الجاني وإنما يلزم زيادة على ذلكم أن يكون هذا المقابل قد ضبط فعلا، ولذلك إذا هو المال المقدم رشوة قد سرق أو فوت بأي تصرف أو هلاك فلا يمكن الحكم بمصاردته لأنه لم يضبط.
وعلى كل حال فإن المصادرة في هذه الحالة وإن كانت وجوبية كما يظهر من عبارات النص فإنها وطبقا للفصل 45 من نفس المجموعة لا تمس إلا الأموال والأشياء المملوكة للشخص الذي قدمها، أما إن كانت مملوكة لعدة ملاك على الشيوع، فإن المصادرة لا تقع إلا على نصيبه الذي يتحدد حتما بالقسمة أو التصفية بطريق المزايدة.

ثانيا: الحرمان من بعض الحقوق المشار إليها في الفصل 40 من المجموعة:
جاء في الفصل 256 ق ج بأنه: “في الحالات التي تكون فيها العقوبة المقررة طبقا لأحد فصول هذا الفرع عقوبة جنحية فقط، يجوز أيضا أن يحكم على مرتكب الجريمة بالحرمان من واحد أو أكثر من الحقوق المشار إليها في الفصل 40 من خمس سنوات إلى عشر كما يجوز أن يحكم عليه بالحرمان من مزاولة الوظائف أو الخدمات العامة مدة لا تزيد عن عشر سنوات”.
وفي ختام الكلام عن “العقوبات الإضافية” نشير إلى أن الشرع في القانون المنظم لمحكمة العدل الخاصة لم يتعرض لها بنص صريح، ولا نعتقد بوجود ما ينتع من تطبيقها، أي العقوبات الإضافية في الرشوة عموما- من طرف هذه المحكمة الاستثنائية( ).
موقف الإسلام والقانون من ظاهرة الرشوة

2 thoughts on “إثبات جريمة الرشوة & عقوبة الرشوة

  1. رحاب

    اريد اثبات الجريمة الاصلية لجريمة تبييض الاموال

    Reply
  2. حبيب

    بسم الله ………… رغم كل هاته العقوبات فلا زالت بلادنا تعاني من مشكل الرشوة…. وشكرا

    Reply

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.