الخلفيات التنظيمية لأزمة الجامعة العربية: دور الأمين العام بين النص والواقع

2 October, 2009 | القانون العام

خلفيات أزمة الجامعة – الفصل الأول:
المبحـث الثـاني : الخلفيات التنظيمية
إن ظروف إنشاء الجامعة عام 1945 ، وسلوكها منذ الحين يضع في أيدينا مفتاح هذه الأزمة ، لقد انعكست ظروف إنشاء الجامعة على ميثاقها من ناحية ، كما انعكست على الواقع المتغير الذي تحركت الجامعة في إطار من ناحية أخرى ، وتكشف خبرة العقود الماضية على أن حركة الجامعة قد خضعت لعدد من المحددات الأساسية ينبغي تحليلها، كمدخل لتقسيم دور مؤسسات النظام العربي بخاصة الجامعة من خلال ذلك يمكن طرح الإشكاليات التالية :

 إلى أي حد ساهمت جدلية القومي القطرية في تعميق أزمة الجامعة ؟ (المطلب الأول) .
 وكيف أن الخلط بين الجامعة والأمانة العامة شكلا خللا تنظيميا في بناء الجامعة (المطلب الثاني ).
 وإلى أي حد كان دور الأمين العام في الواقع بعيدا كل البعد عما جاء في النص .(المطلب الثالث).

المطلب الأول: ثنائية القومية القطرية:
لقد عبرت النصوص على أن إنشاء الجامعة كان محصلة للتفاعل والالتقاء بين اتجاهين:
أولهما الاتجاه القومي والاتجاه القطري، وهكذا ينص ميثاق الجامعة في ديباجته على إنشاء الجامعة جاء تنفيذا للعلاقة الوثيقة والروابط العديدة التي تربط الدول العربية، وحرصا على دعم هذه الروابط و توطيدها على أساس احترام تلك الدول وسيادتها وتوجيه جهودها إلى ما فيه خير الأمة والبلاد العربية، واستجابة للرأي العام العربي في جميع الأقطار العربية .

– فالاتجاه القومي يبدو واضحا في النص من خلال تأكيد حقيقة العلاقات والروابط بين الدول العربية، وتأكيد ضغط الرأي العام، أما الاتجاه القطري فيتضح في النص بشكل واضح على أساس التعامل مع هذه الحقيقة هو احترام الاستقلال والسيادة ( ).
مع ذلك فقد انطوت نصوص الميثاق على نوع من النظرة المستقبلية الجديرة بالملاحظة خاصة حال الدول العربية غير المستقلة التي لم تشرك في تأسيس الجامعة وتؤكد حقيقة التباين الذي تعكس جدلية: القومي القطري، فلاشك أن التوجهات القومية الإيجابية التي تسجل للميثاق الاهتمام الخاص الذي أبداه اتجاه الدول العربية غير المستقلة، وترك لمجلس الجامعة أن يضع كيفية إسهامها، حيث نص في المادة (4) على ما يلي: “تؤلف لكل من الشؤون المبنية في المادة (2) لجنة خاصة تمثل فيها الدول المشتركة في الجامعة، وتتولى هذه اللجان وضع قواعد التعاون ومداه في صياغتها في شكل مشروعات اتفاقات تعرض على المجلس للنظر فيها، الأخرى، ويحدد المجلس الأحوال التي يجوز ذكرها فيها اشتراك هؤلاء الممثلين وقواعد التمثيل.

وبذلك شكلت الجامعة جسرا سياسيا لتلك الأطراف سرعان ما عبر عنه ممثلو المغرب العربي وفلسطين، ومع كل هذه إيجابيات التي تضمنها الميثاق من أجل خلق جامعة تمثل كافة الدول العربية، دلالة الوحدة فقد برزت التغيرات وأزمة هذا الميثاق من خلال ( ):
أ – صراع الارادات والتناقضات :
لاشك في أن جدلية القومي – القطري، هذه هي المفتاح الأساسي والمتغير الأصيل في ديناميت الجامعة، ومؤسسات النظام العربي الأخرى، وتتبع مسارها وتوقع مستقبلها، وتأخذ الجدلية شكل الالتزام أو التنافس أو التنازع، أحيانا الصراع بين القطبين، القوميين العربية باعتبارها عقيدة النظام العربي والأقطار العربية فاعتبارها الأطراف الرسمية والفاعلة في ذلك النظام. أما من حيث الدوافع فقد كان الأمر أكثر تعقيدا، إذ ينبغي إدخال الدور الأجنبي في الاعتبار، بخاصة نشأة النظام العربي والأقطار العربية باعتبارها الأطراف الرسمية والفاعلة في ذلك النظام( ).
حيث اقترنت بمحاولات التغلغل والاختراق الأجنبي ومن ناحية المرتبطة بعنصر الدوافع، فيلاحظ أن جامعة قد نشأت نتيجة تفاعل عقيدة النظام العربي مع البيئة الدولية ومع وحدات ذلك النظام ، فقد كان التيار القومي متصاعدا ودافعا نحو قيام وحدة عربية ترضى تطلعات الأجيال المتعاقبة في الوطن العربي، بينما كانت القوى الاستعمارية تسعى سعيا محموما إلى التعجيل بإنشاء شكل من أشكال التنظيم الإقليمي، يحتوي تطلعات هذا التيار دون أن يحققها، لذلك برزت الجامعة إلى الوجود تحمل معها تناقضات متغيرات ثلاثة : فكر قومي وتدخل حاد في البيئة الدولية ومنطق القطرية والسيادة الوطنية، وهذه المؤثرات الثلاثة لا تسير، كما هو واضح في اتجاه واحد وأساس ذلك أن التيار الأوروبي كخطوة على هذا الطريق، والحكومات العربية أرادت أن تستجيب لهذا التيار من دون أن يؤثر في سيادتها واستقلالها وتراوحت موافقة الدول الغربية من الفكرة وفقا لمصالحها ولاعتبارات التوازن الدولي، وحمل الميثاق آثار هذه النشأة، ولذلك فهي تتعرض منذ نشأتها لتصارع ثلاثة أنواع من الارادات( )



أولا : إرادة الفكر القومي، مما يجعلها تخضع لمحددات تفرض عليها ألا تصدر عنها قرارات تتناقض مع عقيدة النظام العربي.
ثانيـا : إرادة الأعضاء، مما يجعلها تخضع لمحددات تفرضها الأقطار لكي لا تتمادى الجامعة في التعبير عن الفكر القومي أو الحد من صلاحيات الدول الأعضاء .
ثالثا : إرادة أو إرادات البيئة الدولية للتأثير على التوجهات والتوازنات السياسية العربية.
ولقد فرض ذلك على الجامعة أن تخضع لمحددات تفرض عليها ألا تصدر عنها فرارات تتناقض مع عقيدة النظام العربي، ولمحددات تفرضها الدول الأعضاء لكي لا تتمادى الجامعة في التعبير عن الفكر القومي أو الحد من صلاحيات وسيادة تلك الدول ولتدخلات متواصلة من البيئة الدولية للتأثير عن التوازنات والتحالفات العربية .
ومعنى ذلك أن المنطقة التي يفترض أن تهدف إلى توثيق العلاقات بين الدول لتنمي إلى نظام قومي جاء ميثاقها قطريا خالصا، إذ لا يلاحظ أي وزن للمنطق القومي إلى جانب منطق الدولة ولو في حيز ضيق. في أي من المجالات التي يتناولها الميثاق، فلا توجد أي ضوابط على سلوكيات الدول الأعضاء تقيدها بأوليات أو قواعد معينة مستمدة من تعريف واسع لما يمثل “مصلحة الأمة” بل تستطيع هذه الدول حسب نص (المادة 9) من الميثاق التي تعقد أي نوع من المعاهدات والاتفاقيات بحرية مطلقة، إذ تستطيع أي دولة مثلا أن تعقد اتفاقيات تهدد أمن ومصالح “العائلة العربية “ككل ولا يوجد نص في الميثاق تستطيع الجامعة أن تستند إليه للضغط على تلك الدولة إذا اتخذت منحى من هذا النوع( ).
من هذا المنطق سلم الموقعون على الميثاق بأنه يمثل الحد الأدنى الممكن ولقد أشار رئيس وزراء مصر ورئيس المؤتمر العربي العام في جلسة توقيع الميثاق، إلا أنه على الرغم من أن ” مصدر الوحي” في فكرة الجامعة هو الرأي العام في العالم العربي كله، وأنه على الرغم من أن الجامعة هي صدى ” لصوت مدو” فأن ميثاقها هو خطوة الحذر ويتابع رئيس المؤتمر قائلا :” أنه من الخير لنا أن نبدأ السير في اتئاد”، ويعتبر مندوب المملكة العربية السعودية بأن “الميثاق بسيطا في مبناه” ويرى ممثل لبنان “أننا نعلم حق العلم ،إن هذه الجامعة ليست هي غاية يصبوا إليها العرب ولكنها خطوة مباركة”.

وفي إطار ما رأيناه، لم يكن مستغربا بأن الجولات الأولى من المفاوضات حملت مشروعات وخطابات قومية، سرعان ما سقطت بالإجماع عندما يتبين أن كل مشروع قصدت به مصلحة الطرف الذي تقدم به، فعندما عارضت لبنان إعطاء شخصية قانونية للجامعة العربية مستقلة عن أعضائها، ودعا إلى اعتبار بمنزلــة ” مؤتمر دولي دائم” لم تأخذ المنافسات وقتا طويلا، حتى تمت الموافقة على الرأي اللبناني وألغيت كل إشارة إلى الجامعة كجهاز إقليمي..
وكان الأردن أيضا قد أثار موضوع التعاون في مجال الدفاع كأساس لمبدأ الضمان الجماعي في الميثاق، ولم يحظ هذا الاقتراح بالتأييد، كذلك كان حال فكرة إنشاء محكمة عدل عربية، التي أثيرت في اجتماعات اللجنة الفرعية السياسية التحضيرية للميثاق.
وفضلا عما تقدم لم يحظ الجانب الاقتصادي في الميثاق بما حظي به الجانب السياسي بل أن الميثاق “لم يتجاوز فكرة التعاون دون أن يشير إلى أسلوب هذا التعاون أو أنماطه ومنبعه”، ويرجع ذلك إلى الارتباطات الاقتصادية لبعض الدول العربية حينذاك مع بريطانيا وفرنسا، ولوجود بعض” التجارب التكاملية” بين الدولة العربية، فضلا على أن الميثاق جاء في خضم مرحلة سياسية كانت تطبعها العلاقات مع القوى المستعمرة التي كانت تحمل توترا ومهادنة، كما أن الميثاق جاء أيضا في مرحلة لم يرسخ فيها استقلال الدول العربية، وهذا يعني أن يبقى كل شيء قانونيا أمام محاولات حسم المسائل الأساسية الحيوية ( ).

لقد تعامل الآباء المؤسسون خلال فلسفة الحد الأدنى أو القاسم المشترك الأعظم بالنظر إلى تعدد أوليات وسياسات وارتباطات الدولة العربية: داخليا وخارجيا.وتباينهما، فقد ركزوا على ما يجمع ما بين هذه الدول ، وبدعم أواصل القربى بينهما، وأزالوا من الميثاق ما قد يثير المخاوف، ويمكن تحديد العوامل التي ساهمت في إنشاء الميثاق الحد الأدنى فيما يأتي إن الجامعة هي أقدم منظمة فيما يأتي :
1 – إن الجامعة هي أقدم منظمة إ إقليمية وبتالي لم تكن هناك أي خبرة أو سابقة دولية مماثلة يستفاد منها في بلورة ميثاق متطور، يدل على ذلك وجود صياغة غير متوازنة في الميثاق كما جاء في (المادة2) .
2 – إن الدولة المؤسسة كان بعضها مستقلا بالمعنى القانوني فقط، وكانت تخضع عمليا الدول الانتداب السابقة التي تعارضت توقيع العلاقات بين الدول العربية أو الذهاب في ذلك بعيدا، فالقوى الغربية التي كانت تمارس درجات اختراق عالية للنظام العربي، كانت تعارض بشدة قيام قطب، تحالف عربي، في إطار مؤسسي قد يستطيع أن يعرقل أو يواجه مصالحها مستقبلا( ).

3 – إن النخب السياسية التي حققت الاستقلال السياسي كانت ذات حساسية كبيرة قيما يتعلق بتخلي الدولة، ولو المحدودة عن جانب من السيادة القانونية زد على ذلك، أن تلك الدول كانت تحمل شكوكا كبيرة فيما يتعلق بأهداف بعضهما اتجاه الآخر ، إذ لم يخف بعض الحكام العرب نوايا توسعية ورغبة هيمنة في وقت لم تتوسع قيه بعد الشرعية القطرية، خصوصا أن من الأهداف التوسعية ومشروعات الهيمنة ما كانت تختلط مع الدعوات الشعبية القومية، وفي هذا الإطار جاءت المادة (2) تتحدث عن ” تنسيق الخطط السياسية للدول العربية تحقيقها للتعاون بينها وصيانة استقلالها وسيادتها” وكأن ذلك لطمأنة بعض الدول في وجه بعض الاتجاهات المواجهة التي تشكك بحقها لوجودها الشرعي كطرف ذي شخصية دولية مستقلة .
كما جاء أيضا ( المادة 8) «التي تؤكد احترام نظام الحكم القادم، وتعتبره حقا من حقوق تلك الدولة وتتعهد بألا تقوم إلى تغيير ذلك النظام فيها « ،وقد صينت فيه حرمة الحق في نطاق المبادئ الديموقراطية الصحيحة بإقرار المساواة بين الدول السبع الداخلة في هذه الجامعة بلا تفريق بين صغيرها وكبيرها” .
4 – أن حال القومية في الداخل لم تكن منظمة أو معبأة بشكل ضاغط على الدولة العربية أو بعضها ، بحيث تستطيع التأثير في العملية التي أنشأت الميثاق، وكل ما ، استطاعت القيام به لاحقا هو انتقاء الميثاق لقصوره، فقد ذهب ساطع الحصيري إلى أن الجامعة التي ” تأسست بموجب الميثاق المعلوم” ،” لا يجوز أن تعتبر ممثلة للازمة العربية كما أن الفشل الذي منيت به هذه الجامعة إلى الآن لا يجوز أن يعتبر دليلا على بطلان فكرة القومية العربية بوجه من الوجوه “، ومنذ الأسابيع الأولى لقيامها، رأى “حزب البعث العربي الاشتراكي”، أن التعاون الذي حققه ميثاق الجامعة هو التعاون قامر قد يحقق مثله بين دول عربية متباينة في اللغة، والعنصر والثقافة، “فالميثاق في مجموعة إقرار لحال التجزئة الراهنة، ولكن بالنظر إلى هذه الشوائب التي تدخلت فهو خطوة منحرفة ضالة تخشى أن يزيد المستقبل من خطرها ويوسع أضرارها”..( ).
ودعا حزب البعث إلى إنشاء ” جامعة عربية شعبية تكون سندا وتميزا للجامعة الرسمية”، حينما تملك هذه طريق الصواب، ومقوما لها حين يعزرها الإرشاد والتقويم .

5 – إن الدول العربية المؤسسة للجامعةفي أغلبيتها، كانت تفتقر إلى المؤسسات، بمعنى آخر تتوفر لدى هذه الدول خبرة في إنشاء المؤسسات، وربما وجدت شكوك اتجاه أي أفكار تدعو إلى إضفاء الطابع المؤسسي على صياغة الميثاق حيث ركز المؤسسون على اللجان الفرعية ولم يهتموا بالنظام الداخلي للجامعة، بمعنى آخر، الميثاق بحده الأدنى مرآة تعكس حال المؤسسات في الدول العربية .
والخلاصة أننا إزاء جامعة دول عربية دخل فيها كل عضو بشروطه وتحفظاته وكانت النتيجة أن تحولت الجامعة دوما في إطار الحد الأدنى الذي يمكن أن يخفق عليه كل الأعضاء أو أغلبيتهم على أقل تقدير، وأثر ذلك على أداء الجامعة، وعلى كيفية تعاملها مع حقائق التغيير في البيئة إقليمية والدولية، وهكذا أنشأ الميثاق منظمة إقليمية لتجسيد نظام قومي.

ب- جامعة …..التجزئة .
إن نقطة البدء في تحليل موقع ميثاق الجامعة بين القومية والقطرية هي التوظيف القانوني والسياسي للجامعة ، وإدراك التباين القائم بين توظيفها القانوني، باعتبارها منظمة لإقليمية اختيارية تقوم على مبدأين السيادة والمساواة بين الدول الأعضاء. وكونها من الناحية السياسية: تعبيرا عن آمال الأمة العربية، وطموحاتها في منظمة قومية تعمل من أجل التوحيد العربي، وهذا التباين بين الطبيعة القانونية للجامعة من ناحية والسياق السياسي والتاريخي .لها من ناحية أخرى ، كان ولا يزال أحد بواعث القصور والخلاف والتشاحن، إن العلاقة بين القومية والقطرية في ميثاق الجامعة ،وهي مواثيق عديدة من منظماتها المتخصصة هي تعبير جدلية بين تيارين يوجدان ويتفاعلان في محيط العمل العربي تيار قومي توحيدي يسعى إلى مزيد من التكامل والتنسيق بين الأقطار العربية وصولا إلى شكل من أشكال الوحدة، وتيار قطري يكرس في كل قطر عربي ( ) يسعى إلى أن تكون العلاقات بين الأقطار العربية على أساس من القانون الدولي بين دول ذات السيادة، وهذا التياران يؤثران في كل نشاط عربي وفي كل منظمة عربية، يظهر بشكل سافر في بعض الأحيان، وبأشكال مستترة خفية في كثير من الأحيان، ينتصر أحدهما أحيانا، ويتواري أحيانا أخرى، ولكنهما في كل الأحيان يوحدان ويتفاعلان ويتصارعان ، بحيث أصبحت تلك إحدى سمات النظام العربي.

وفي الواقع تجد القطرية مصادر قوتها في منابع متعددة، منها مواريث المرحلة التاريخية السابقة على الاستقلال، فضلا على الرغبة من الاستماع بالاستقلال الحديث ،والاستئثار بسلطة الدولة ومنها ما فرضته الحقبة النفطية على العلاقات العربية – العربية، ومنها التنافس بين بعض الزعامات والحكام على النفوذ والسيطرة ، ومنها دور القوى الخارجية التي غرست بذور الخلاف بين بعض هذه الأقطار ووحدت مصادر النزاع( ).
وثانيهما : اتجاه تلك الدول إلى التنازل عن جزء من سيادتها لمصلحة الكل العربي، وبالتالي تغليب المنطق القومي، ومعنى ذلك، أنه كان من الممكن، أن يتطور الميثاق، والواقع السياسي لحركة الجامعة، في أحد هذين الاتجاهين: إما مزيد من التجزئة وإما مزيد من الوحدة ( ).

المطلب الثاني : الخلط بين الجامعة ….. والأمانة العامـة
كثيرا ما يلتبس أي الأمر على الرأي العام العربي حيث يرد ذكر جامعة الدول العربية ، فإذا تقاعست الجامعة ، وإذا ما قامت الأمانة العامة للجامعة بواجباتها القومية، سواء في ما ينص عليه ميثاق الجامعة أو في ما تجتهد هي فيه- قيل فعلت الجامعة العربية، أي ينسب الإنجاز إلى الجامعة !
أما إ ذا كان هناك فشل أو تقصير فإن الاتهامات تتوالى على الأمانة العامة ! وربما يرجع ذلك الخلط -المعتمد أحيانا- بين ” الجامعة “، “وأمانتها العامة” إلى اتجاه الأمانة العامة للجامعة إلى لاضطلاع بواجباتها من منظور قومي، واتجاه الأقطار العربية إلى التعلل في مواجهة ذلك بذريعة السيادة، أو على أقل تقدير بذريعة الظروف الخاصة بالنسبة إلى قضايا العرب الكبرى وفي مقدمتها الوحدة العربية وفلسطين، ولذلك ينبغي التمييز بين جامعة الدول العربية، باعتبارها منظمة إقليمية تضم عددا من البلدان، وتصدر قرارات عن طريق مجالس هذه الجامعة، كمؤتمر القمة أو مجلس وزراء الخارجية أو المجلس الاقتصادي والاجتماعي و بين الأمانة العامة للجامعة، باعتبارها جهازا إداريا وفنيا لهذه المنظمة والجدير بالاهتمام في هذه التفرقة، أن الأمانة العامة للجامعة انعقدت منذ أن أنشأت الجامعة، أن مهمتها الأساسية على العمل من أجل تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية على الرغم من أن الميثاق لم يكلفهما أو يكلف غيرها بهذه المهمة، وحيث حوربت بقسوة ، بسبب هذا الاعتقاد على يد نوري السعيد وغيره من الحكام العرب، تخلت عن هذا الحلم وركنت هادئة لمدة طويلة، تترك غيرها يتحمل عنها أعباء ومسؤوليات الاقتناع بهذا الحلم ومحاولة التصدي له .

وفي مرحلة أخرى بدأت الأمانة العامة تهتم بمنهج التكامل العربي عن اعتقاد صادق من جانبها ، بأنه إذا كان علم الوحدة يستعصي على التحقيق في ظل الظروف السائدة ، فليس أقل من العمل بمنهج التكامل من أجل تعبئة الإمكانات العربية وتجنيدها لخدمة الأمن القومي العربي ( ).
مما يعتبر في نهاية الأمر، خطوة مهمة على الطريق الطويل من أجل الوحدة، إلا أن الأمانة العامة ، على الرغم من أنها لم تيئس، اكتشفت أنه مع تواضع هدفها، فإن العقبات أمام تحقيقه عقبات هائلة، إذ اصطدمت بإرادات حكومات مستقلة حريصة على التجزئة الاقتصادية وحماية مصالحها الضيقة.
ولذلك، فكما أنه لا يجوز اتهام الجامعة كأمانة عامة بأنها فشلت في تحقيق الوحدة العربية، كذلك لا يجوز اتهامها بأنها فشلت في تحقيق تجارب تكاملية حيوية لأنها قي الحالتين، قامت بأقصى ما يمكنها لقيام به، في حدود اختصاصاتها القانونية والإمكانات المادية والبشرية المتاحة لها.
وفي الحالتين أحبطت الدول الإعشاء معظم هذه الجهود ،بأساليب ووسائل متعددة، من بينها، بل في مقدمتها:- الحرص على إبقاء الأمانة العامة ضعيفة، كما توضح ذلك، مثلا نظرة إلى مواردها المالية، فضلا عن أن التجنيد لوظائفها قد يمتد إلى عناصر غير مدربة ولا تشكل القومية العربية منطلقا لعملها، بمعنى النظر إليها بمعيار مهني وظيفي محض، فضلا عن الحد من نشاطاتها وتحميلها أمام الرأي العام العربي مسؤولية كل فشل يصيب العمل العربي المشترك، بخاصة أن الإعلام العربي كله تحت سيطرة الأقطار العربية بينما ليست للأمانة العامة أي أنشطة إعلامية داخل هذه الأقطار أو حتى موجهة إلى شعوبها .

ولقد تعقدت هذه المشكلة في الواقع بتداخل اعتبارين :
أولهما: أن الأمانة العامة للجامعة هي التي تقوم بالتعبير عن الشخصية القانونية الدولية للجامعة أمام العالم .
ثانيها : إضافة قضية فلسطين إلى مقدمة اهتمامات الجامعة بعد عامين فقط من قيامها، والخلط في وسائل المواجهة ،بين الوسائل الديبلوماسية ، حيث يردد دور الأمانة العامة، والوسائل السياسية – العسكرية، حيث الدور الوحيد للشعب الفلسطيني وللبلدان العربية، من ناحية، وبالتالي الخلط بين ما يمكن أن تقوم به الدول الأعضاء أو الأمانة العامة، من ناحية أخرى (1).
ومنذ أضيفت المشكلة الفلسطينية إلى مسؤوليات الجامعة – تعيش الأمانة العامة – حتى يومنا هذا، في ظل الاتهام بالتقصير والفـشل في تحرير فلسطين،علما بأن الأمانة العامة للجامعة هي العضو الوحيد في النظام العربي الذي لا يستطيع أن يحرك جنديا واحدا، وكغيره من الأقطار العربية لا يستطيع أن يأخذ قرارا بالنيابة عن شعب فلسطين.
وبذلك تشكلت من الجامعة وعن أمانتها العامة في أذهان الرأي العام العربي صورة الجهاز القليل الكفاءة ، الغزير القرارات ، ولم تجد هذه الصورة في الأقطار العربية من يصححها ويفسر للرأي العام ، أن الجامعة لا تتخذ قرارات ، وإنما يتخذها مجلس الجامعة المشكل من قيادات رسمية مسؤولة في هذه الأقطار ، على أعلى المستويات ، ويرتبط ذلك في الواقع بقضيتين أخريين :
الأولى : عدم اهتمام الأقطار العربية بشأن عمل الجامعة، ولقد عبر عن ذلك صلاح الدين البيطار، المسؤول السوري الكبير سابقا، الذي كان يتولى في حين الخارجية لدى علمه بأن هناك وفدا سوريا سيتوجه إلى الجامعة لحضور أحد الاجتماعات ، بقوله : “وقد لاحظت عدم اكتراث الحكومات العربية بالجامعة، فاستدعيت أعضاء الوفد وسألتهم :
هذا موضوع سياسي، فما هي سياستنا ؟
ومن أين تأخذون التوجهات السياسية التي تقترحونها في المجلس ؟
فكان الجواب : أن الوزير يقول لنا اذهبوا ، واحضروا الاجتماع . فاذكر أنني جلست يومين من أجل بحث ورقة العمل وتقديم اقتراحات، والجامعة المختصة لا تقرأ بالمعنى الحرفي، الحكومات لا تقدم مشروعات مدروسة، ولا تدرس المشروعات التي تقدمها الجامعة العربية (الأمانة العامة ) دراسة جدية من أجل التنفيذ “.
والثانية : قضية وجود إعلام خاص بالأمانة العامة للجامعة في الأقطار العربية . إن كل ما يتم في الجامعة، لا يوجد له إعلام في الأقطار العربية، وهذا قي حد ذاته دليل آخر على عدم اكتراث الأقطار العربية بالجامعة، فهي تدافع عن استقبال مراكز إعلامية للأمم المتحدة ببنما ترفض فتح مكاتب للجامعة، رغم إصرار الأمانة العامة على هذه الفكرة مرارا ، فقد رفضت جميع الأقطار العربية هذه الفكرة لأنها كانت تخشى أن يشيع هذا المكتب فكرة القومية العربية، أو يدعو إليها. وقد كان مفهوما أن الأمانة العامة – باستمرار – هذه الصفة القومية، وبالتالي فالمكتب التابع لها سيثير أفكار قومية داخل العواصم ( ).

المطلب الثاني: دور الأمين العام بين النص والواقع …و الطموح
مما لا شك فيه أن وضع الأمانة العامة في أي منظمة دولية، يكون على قدر كبير من الأهمية، وذلك بالنظر إلى حقيقة وطبيعة مركز الأمين العام داخل الإطار
للمنظمة الدولية على وجه الخصوص ، ودلالة ذلك بالنسبة إلى علاقاته بالدول الأعضاء في المنظمة – على وجه العموم- وبعبارة أخرى ، فإنه إذا كانت الأمانة العامة المنظمة الدولية ، لا تغدو – قي حقيقتها – أن تكون الجهاز التنفيذي الدائم للمنظمة وما يعنيه ذلك من اضطلاعها أساسا بأدوار السكرتارية التنفيذية للمنظمة، إلا أنها في أغلب المنظمات مدعوة بحكم تمتعها بالصفة الدائمة ، وما تمتلكه من قدرات تنظيمية وكفاءات بشرية، إلى الاضطلاع بأدوار ومهام تفوق بكثير القيام بأعمال السكرتارية والمتابعة .
وفضلا عن ذلك، فإن الأمين العام للمنظمة الدولية ” لا يتكلم باسم دولة واحدة، بل يتكلم باسم كافة الدول الأعضاء في المنظمة، ولا يمثل أحد الأطراف ولا الأغلبية بل المجموعة بأكملها ومن ثم فعليه أن يتسم بأعلى خصال الحياد حتى يحصل على ثقة الجميع لأنه ليس طرفا في التنظيم، وإنما هو حكم فيه”، وإذا كانت المنظمات الدولية تسعى في مواريثها إلى تقليد دور الأمين العام في أضيق الحدود وقصره على الجوانب الإدارية والتنفيذية.

فإن الأمين العام في أي منظمة دولية يمارس –عملا وواقعا– “ووظائف سياسية”، بل إن وظيفة الإدارية تأخذ الطابع السياسي على الرغم من القيود العديدة أيلي وضعها بعض المواثيق في هذا الشأن، ومرد ذلك إلى أن وجود الأمين العام على رأس المنظمة يعد في ذاته عملا سياسيا بالدرجة الأولى، وعلاقته التي يقيمها مع قادة الدول والمنظمات الأخرى، هي علاقات سياسية، وكل ما يقوم به من أعمال ينظر إليه دائما بالمنظر السياسي ـ إعمالا لحقيقة منطقية مفادها أن “إدارة العمل السياسي هي عمل سياسي”.
أما بالنسبة إلى تحديد وضع الأمانة العامة والأمين العام في جامعة الدول العربية، فإن المادة-2- من الميثاق قد لخصت هذا الوضع بالنص الآتي( ): “تكون للجامعة أمانة عامة دائمة، تتألف من أمين عام وأمناء ومساعدين وعدد كاف من الموظفين، ومعنى ذلك أن الميثاق، وإن جعل من الأمانة العامة أحد الأجهزة الرئيسية للجامعة، إلا أنه ولا حتى النظام الداخلي لمجلس الجامعة، لم يحدد مهام تفصيلية للامين العام، مما كان سببا في القيام العديد من خلال التصادم والمواجهة بين بعض أعضاء الجامعة والأمانة العامة.
وفضلا عن ذلك، لا يتمتع الأمين العام للجامعة بأي أدوار سياسية صريحة ومباشرة إذ ا ما قورن ميثاق الجامعة في هذا الشأن بغيره من المواثيق الدولية، وبخاصة ميثاق الأمم المتحدة، فالاختصاصات الممنوحة له بمقتضى الميثاق يغلب عليها الطابع الإداري، وذلك تأثرا بما كانت عليه الحال في عصبة الأمم التي سبقت قيام الجامعة .

ومع ذلك، فإن الصفة القومية للجامعة، قد امتدت لتعطي الأمين العام للجامعة هذه الصفة القومية نفسها ، على الرغم أنه لم ينص على شيء من ذلك من الميثاق، ولقد تأكد هذا الاتجاه ، الذي أفرزه الواقع العربي نفسه، فصلا عن تصور الأمين العام لدوره ورسالته ، وبخاصة أول أمين عام، في مناسبتين :
الأولى : عندما رفضت بريطانيا الرد على رسائل الأمين العام، واستفسرت من الأقطار العربية. عما إذا كان الأمين العام للجامعة، حين يخاطب إحدى الدول الأجنبية، ينطق باسم الجامعة أم لا ؟ حيث اتخذ مجلس الجامعة قرارا في 12 يونيو 1946، ينص على أن ما يصدر الأمين العام ضمن حدود الميثاق يعتبر صادرا عن الجامعة( )

والثانية : عندما احتج وزير الخارجية العراقي في مايو 1949، على توجهات الأمين العام، ووصفها بأنها تتعارض مع روح الميثاق وأهدافه وما اتفق عليه من احتفاظ الدول العربية بأوضاعها القائمة، وأنه أخذ سلطات الدول الأعضاء، ووزراء خارجيتها، وتصرف وكأنه رئيس دولة مستقل. وقد تضمن رد الأمين العام على ذلك قوله : ” إن وظيفة أمين العام في أي مؤسسة دولية لا يحقق اختصاصاته عند حد الإشراف على حفظ السجلات وتبليغ القرارات . إنما عليه أن يزاول الاختصاصات التي تمنحه إياها الهيئة في ميثاقها ولوائحها وقراراتها “….وفضلا عن ذلك، فإن وضع النظام الداخلي لمجلس الجامعة، أمكن للامين العام أن يضطلع بالعديد من الاختصاصات التي تهيئ له مباشرة دور سياسي ملموس في مجال الشؤون العربية، وما لعالجه الجامعة من قضايا ومشكلات .وأهم هذه الاختصاصات ولا شك هو “حق الأمين العام في طلب إدراج مسائل إضافية في جدول الأعمال الأصلي وحقه في أن يسترعي نظر المجلس أو الدول الأعضاء ، إلى أي مسألة يري للمجلس أو قي الجدول الإضافي.
أنها قد تسيء إلى العلاقات القائمة بين الأقطار العربية ، أو بينها وبين الدول الأخرى “.كما تنص ( المادة الأولى ) من النظام الداخلي للأمانة العامة للجامعة على أن ” الأمين العام يتولى باسم الجامعة تنفيذ قرارات المجلس، واتخاذ الإجراءات المالية ضمن حدود الميزانية المعتمدة من المجلس … “. إلى جانب هذه الاختصاصات ذات الطالع الإداري استطاع الأمين العام ، من خلال الممارسة العملية ، أن يوسع من نطاق الدور وطبيعة المهام التي تضطلع بها الأمانة العامة وعلى رأسها الأمين العام نفسه،ويتمثل ذلك في :
• قيام الأمين العام بدور تمثيلي للجامعة ، من خلال قيامه بإبلاغ الدول الأجنبية بوجهة نظر الجامعة في القضايا المختلفة باعتباره المتحدث باسمها والمعبر عنها.
• الدفاع عن حقوق الدول العربية، ورعاية مصالحها، كما كان الشأن بالنسبة للقضية الفلسطينية وقضايا الاستقلال للدول العربية، والقيام ، بناء على طلب مجلس الجامعة ،ببذل الوساطة والمساعي الحميدة ، والتوفيق بين الأطراف العربية المتنازعة.
• العمل على تنقية الأجواء العربية سواء بأساليب الدبلوماسية الثنائية، أو باستغلال الفرص التي توفرها اللقاءات الديبلوماسية الجماعية ودعوة الدول العربية إلى تطبيق الميثاق واحترام المعاهدات والمقررات المعتمدة في نطاق الجامعة، والقيام بدور تنسيقي بين سياسات البلاد العربية وفيما بين الوفود العربية في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبين مواقف المجموعات الدولية الأخرى في الأمم المتحدة والموقف العربي ( ).

وعلى أي حال فإن افتقار الميثاق إلى النص على مهام تفصيلية للأمين العام، ان سببا في مواجهات علنية ومستترة من هذا النوع بين الدول الأعضاء وبين الأمين العام،إذ استغل هذا الإيجاز الشديد لكي يكتسب لنفسه صلاحيات لم يرد النص عليها صراحة، من ناحية أخرى ،استغلت بعض الدول الأعضاء هذا الإيجاز في أوقات للحد من أنشطة الأمين العام، أو بالعكس لتطلب منه ممارسة صلاحيات لم ترد صراحة في وثائق الجامعة .
ولكنها أدت في النهاية إلى خلق سوابق تستند إليها الأمانة العامة في توسيع اجتهاداتها ومبادراتها، ولا شك في أن عجز الحكومات العربية قد أسهم بقسط وافر في تسويغ مهام الأمانة العامة بخاصة بعد فشلها في الحرب الفلسطينية ، إذ إن الحكومات رغبة منها في توسيع فشلها أمام شعوبها فضلت أن تسمح للأمانة العامة بصلاحية جديدة تتمكن الحكومات فبواسطتها من إلقاء الفشل على “الجامعة”.
وهنا بدأت الدول الأعضاء تكتشف فائدة تعميق مفهوم ازدواجية الجامعة في نظر الرأي العام العربي، فالجامعة هي التي تفشل مجتمعه أحيانا ،وفي أحيان أخرى هي الأمانة العامة ، وهنا أيضا بدأت أطراف مختلفة تكتشف وظائف جديدة للجامعة، من بين هذه الأطراف الأمين العام نفسه, فقد وجدت في الجامعة منبرا قوميا يزداد أهمية ويستقر كشرعية جديدة لسياسات الأقطار العربية ( ).
وفضلا عما تقدم، فإن التوجهات القومية المتصاعدة للأمين العام، إضافة إلى تداول ثلاث شخصيات مصرية، هذا المنصب منذ نشأة الجامعة حتى انتقالها إلى تونس، كان دافعا لبعض الأقطار العربية للتقدم بعدد من الاقتراحات بهدف الحد من اختصاصات الأمين العام، وقدرته على التأثير إلى حد كبير .

ومعنى ذلك، أنه إذا كانت الجامعة قد شهدت منذ قيامها توسيعا لنطاق صلاحيات الأمين العام ، إلا أن الدور الذي يضطلع به الأمين العام، وعلى وجه الخصوص قيما يتصل بتنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الجامعة، قد شهد تقلصا كبيرا بما يعكس عدم الرغبة من جانب الدول العربية، في تقوية سلطات الأمين العام وقدراته بالنسبة للنهوض بالعمل العربي المشترك في نطاق الجامعة، ومظاهر ذلك معقدة ، نكتفي باثنين منها :

أولهما : يمكن في تعديل ( المادة الأولى ) من النظام الداخلي الأمانة العامة، والتي كانت تقضي بأن: «الأمين العام للجامعة ينوب عن الجامعة فيما تتخذ من إجراءات ، في حدود نصوص الميثاق وقرارات مجلس الجامعة وميزاتها المعتمدة، لتصبح الأمين العام يتولى باسم الجامعة تنفيذ قرارات المجلس ، واتخاذ الإجراءات المالية ضمن حدود الميزانية المعتمدة من المجلس … » ومؤدى هذا التعديل، والذي تم بناء على اقتراح العراق إثر الخلاف الذي حدث بيت وزير خارجيته وعبد الرحمان عزام في 1949، أن الأمين العام لم يعد ينوب عن الجامعة فيما يتخذه من أعمال، بكل ما تنطوي عليه الإنابة من سلطات، وإنما صار قي ذلك مقيدا بتنفيذ القرارات الصادرة منها .

وثانيها : يتمثل في خلو النظام الداخلي لمجلس الجامعة من الإشارة إلى الأمين العام ، أو لرئيس المجلس فيما يتعلق بمهمة تنفيذ القرارات الصادرة عنه،واكتفى في هذا الشأن بالنص على أن يقوم المجلس بمراعاة تنفيذ قراراته وكذلك ما تبرمه الدول الأعضاء بينهما من اتفاقيات قي نطاق الجامعة ،عمالا لنص المادة 3 من الميثاق، ولا شك في أن إناطة مهمة متابعة التنفيذ إلى المجلس من شأنه تميع المسؤولية، لأن المجلس لن يباشر هذه المهمة عملا إلا من خلال تفويض الأمين العام أو رئيس المجلس .
وحتى مشروع تعديل الميثاق لم ينج من مثل هذه المحاولات التي تهدف إلى تقليص اختصاصات الأمين العام وليس أدل على ذلك من اتجاه لجنة الخبراء التي وضعت المشروع ، بحكم توجهاتها القومية، إلى النص على أن يكون الأمين العام منتخبا من قيل مؤتمر القمة العربية لدعم مركزه ومكانته، بينما أصر مندوبو الدول الأعضاء، على أن يكون الانتخاب من قيل مجلس وزراء الشؤون الخارجية( ).
وبالإضافة إلى ما تقدم لا ينطوي مشروع تعديل الميثاق على أي تقدم أو تطور ملموس،بشأن دور الأمين العام في تنفيذ القرارات الصادرة عن مجلس الجامعة، ذلك أن التعديل المذكور قد جعل هذه المهمة تقع على عاتق كل من الأمين العام ومجلس المندوبين الدائمين للدول العربية ،وهو ما من شأنه أن بخلف نوعا من التداخل والازدواجية في الاختصاصات ،فضلا عما ينطوي عليه ذلك من صعوبات عملية جمة مردها مظنة أن يتحول المندوب الدائم إلى مبرر لتقاعس دولة في تنفيذ القرارات الموجهة إليها، إن النظرة المقارنة للاختصاصات التي منحتها الدول العربية للأمين العام للجامعة بموجب الميثاق والاختصاصات التي منحتها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة للسكرتير العام للمنظمة الدولية،مثل هذه النظرة المقارنة ستبعث، ولاشك لا على الحيرة فقط وإنما على الأسف أيضا ،الدول الأعضاء في الأمم المتحدة لا تجمعها روابط كتلك التي تجمع الأقطار العربية،ومع ذلك فهي تغطي السكرتير العام للأمم المتحدة دورا واسعا في مختلف مجالات النشاط ، بيتما لا يجوز طبقا لميثاق الجامعة ، أن يقوم الأمين العام بدعوة مجلس الجامعة للانعقاد لبحث أمر من الأمور مهما كانت خطورته ( ).
ضرورة إصلاح جامعة الدول العربية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

This site uses Akismet to reduce spam. Learn how your comment data is processed.