خطاب الضمان البنكي
مقدمــة
تتعدد صور تدخل البنك في ميدان خلق وتقديم الإئتمان لعملائه، وإن كانت الغاية منها واحدة، وهي تمكين العميل من الحصول على الإئتمان الذي ينشده بأن يمكنه البنك من الوفاء بالتزاماته لدى الغير، والحصول على أجل أو ثقة من دائنيه بواسطة البنك.

وتنقسم صور الإئتمان المصرفي إلى قسمين كبيرين: الأول يقدم فيه البنك لعميله أو لشخص آخر يحدده العميل مبلغا نقديا او أداة وفاء أخرى، يستخدمها العميل في الوفاء بديونه وهو ما يسمى بالإقتراض، أما الثاني فيكتفي فيه البنك بضمان العميل لدى الغير، وهو ما يسمى بالإئتمان المصرفي بطريق التوقيع.
ولعل أهم صور الإئتمان المصرفي بطريق التوقيع: الإعتماد بالقبول، الكفالة البنكية، الاعتماد المستندي، وخطاب الضمان المصرفي.
وتعد خطابات الضمان المصرفية إحدى أهم التقنيات التي أفرزها محيط التجارة الدولية في الآونة الأخيرة، حيث أبانت عن خصوصية متميزة جعلتها تخرج عما هو معتاد وطبيعي في مجال “التأمينات الشخصية” ( ).

هذا وتنشأ الحاجة إلى خطاب الضمان عندما يجد العميل نفسه مضطرا إلى تقديم تأمين نقدي إلى من يرغب في التعامل معه لكي يقبل هذا الأخير بالتعاقد معه، إذ يلجأ حينئذ العميل المعني بالأمر إلى بنكه ويطلب منه إصدار خطاب ضمان لصالح الشخص الذي ينوي التعامل معه، ويتعهد فيه البنك بصفة نهائية بضمان هذا العميل في حدود المبلغ المعين في الخطاب، وخلال مدة معينة، وذلك عن طريق القيام بدفع المبلغ إلى المستفيد بمجرد أن يطلب هذا الأخير ذلك ( )، دون إمكانية التمسك بأية دفوع مستمدة من علاقة أخرى.
وبذلك يتولد عن خطاب الضمان ثلاث علاقات أساسية ومستقلة عن بعضها البعض علاقة العميل بالمستفيد التي ينظمها عقد الأساس والتي قد تكون بيعا أو مقاولة…، وعلاقة العميل بالبنك وينظمها عقد فتح الاعتماد بالضمان، وعلاقة المستفيد بالبنك والتي تنشأ مباشرة عن خطاب الضمان.

وخطاب الضمان يخدم مصالح كل أطرافه، فالبنك يتقاضى عمولة عن قيامه بدور الضامن لعميله دون أن يقرضه نقودا بشكل مباشر، والعميل يستفيد لأن خطاب الضمان يدعم ثقته لدى الغير دون أن يضطر إلى تقديم تأمين نقدي. كما يستفيد منه المستفيد لأن إلتزام البنك بالوفاء له يعد بمثابة تأمين نقدي بين يديه وذلك بالنظر لملاءة الذمة الحالية للبنك.

ولخطاب الضمان أهمية كبيرة في الحياة العملية، فهو يستخدم في صور لا حصر لها بحيث يشكل ضمانة بدلا من التأمين النقدي، وضمانة في حالة المزيدات والمناقصات، وضمانة للتأمين عن أي نوع من أنواع المهن، وضمانة في الجمارك، وضمانة في حالات الشراء بأجل…
ولعل الأهمية العملية التي تمتاز بها خطابات الضمان بالنسبة للأطراف من جهة، والاختلافات الجوهرية القائمة بينها وبين بعض الأنظمة المشابة كالكفالة، والاعتماد المستندي من جهة ثانية، وغياب نصوص قانونية تنظم هذه التقنية على مستوى التشريعات الوطنية من جهة ثالثة، هي التي دفعت بغرفة التجارة الدولية لوضع قواعد تتعلق بالضمانات التعاقدية منذ سنة 1978، ووضع القواعد الموحدة المتعلقة بالضمانات لدى الطلب سنة 1992. ودفعت أيضا بلجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي إلى إعداد مشروع اتفاقية متعلق بالضمانات المستقلة وخطابات الاعتماد المساندة( ) والذي تبنته الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها المنعقدة ما بين 2 و 26 ماي 1995.

وتكمن الاشكاليات المحورية للموضوع في:
-تحديد الخصائص القانونية المميزة لهذه المؤسسة التي تعتبر وليدة استقرار العرف والعمل المصرفي على العمل بقاعدة معينة.
-رصد أهم الاشكالات التي يثيرها خطاب الضمان في الواقع العملي، ومحاولة إيجاد أهم الحلول والاجتهادات التي اعتمدها ويعتمدها القضاء والفقه لمعالجتها.
-تحديد الطبيعة القانونية لهذه المؤسسة وما يترتب عنها من آثار قانونية قبل وبعد وضعها موضع التنفيذ.
لهذا وبناء عليه سنحاول أن نعتمد في دراستنا المتواضعة على التقسيم التالي:

الفصل التمهيدي: أحكام خطابات الضمان
الفصل الأول: أنواع وآثار خطابات الضمان
الفصل الثاني: تنفيذ خطاب الضمان ودعوى الرجوع.

معتمدين في ذلك على ما جاد به الفقه والقضاء المقارن في هذا الإطار، وكذا الهيئات الدولية خاصة غرفة التجارة الدولية ولجنة الأمم المتحدة للقانون التجاري الدولي وبعض التشريعات الوطنية.
خطاب الضمان البنكي

 

خطاب الضمان البنكي

_________________________________________________
بالاعتمادات المستندية حيث جاء فيها” في مجال هذه القواعد. فإن تعابير (اعتمادات مستندية) أو (خطابات اعتماد مساندة)…” إلا أن هذا الادماج قد لاقى عدة انتقادات من طرف الأبناك التي كانت تفضل اعتبار خطابات الاعتماد المساندة كنوع من الضمانات المستقلة عوض إدماجها ضمن قواعد تخالف خصوصيتها، ولعل هذا السبب هو الذي دفع لجنة الأمم المتحدة إلى إعداد مشروع الاتفاقية المتعلق بالضمانات المستقلة وخطابات الاعتماد المساندة 1995. هذا الأخير الذي وحد ما بين الضمانات المستقلة وخطابات الاعتماد المساندة من حيث التعريف والمقتضيات المطبقة بشكل أصبح معه التمييز بينهما تمييزا من حيث اللفظ فحسب.