تعريف عقد الشغل المؤقت وعقد الشغل من الباطن – المبحث الثالث :
بالإضافة إلى عقد الشغل المحدد المدة وعقد الشغل غير المحدد المدة هناك عقد الشغل من الباطن وكذلك عقد الشغل المؤقت فما هو تعريفهما ؟

المطلب 1 : تعريف عقد الشغل المؤقت [وكالات التشغيل المؤقت].
يقصد بوكالات التشغيل المؤقت حسب الفصل 495 من المدونة كل شخص اعتباري مستقل عن السلطة العمومية يقتصر عمله على تشغيل الأجراء بهدف وضعهم مؤقتا رهن إشارة شخص ثالث يسمى المستعمل ويراقب تنفيذها مع أداء أجورهم والوفاء بكل الالتزامات القانونية للعقد الشغل الذي يضم ثلاث أشخاص (الأطراف الموضوعين رهن إشارة المستعمل / المستعمل المستفيد من عملية التوريد / مورد الأجراء والساهر على أداء أجورهم وجميع الالتزامات الناتجة على عقد الشغل ).

مدونة الشغل تبنت فكرة مقاولات التشغيل المؤقت وبالتالي فالأحكام المنظمة لهذه المقاولات جديدة لم يسبق أن عرفها التشريع المغربي الاجتماعي ( ) وأحكام هذا الباب جاءت مستنسخة للمقتضيات الواردة في الاتفاقية رقم 181 التي صادق عليها المغرب مؤخرا.
وهدف مدونة من استحداث هذه المقاولة هي تشغيل يعتمد على مساهمة القطاع الخاص واستشراف قيامه بنفس الدور الذي كانت تكرسه عقود المقاولة من الباطن في ظل التشريع السابق خصوصا عندما يكون موضوعها توريد اليد العاملة.
في التشريع السابق كانت هذه المقاولات تضم عمالا مؤهلين و من مختلف التخصصات حيث يتم تلبية جميع حاجيات المقاولات التي تعرف حركة الإضراب وتعويض الأجراء المضربين في كل عمل أي كان نوعه كانوا يسمون في الفقه الفرنسي بالأجراء في القماط إلا أن المشرع الفرنسي لم يعمل بها سوى في بعض الأنشطة المحدودة مثل خدمة البيوت ورعاية الأطفال والعجزة وأشغال الصيانة.
المشرع المغربي أعاد تنظيم أحكام هذه المقاولات بمقتضيات جديدة وذلك لتقرير ضمانات لأجراء هذه المقاولة لتفادي المس بحق الإضراب فالمدونة عكس التشريع السابق لم تسمح باللجوء إلى هذه المقاولات في الحالة التي تعرف فيها هذه الأخيرة حركة إضراب لأن في ذلك مس بحق مشروع ولأن ظهورها تم لشرعنة العقود المؤقتة وتنظيمها مع إمكانية تقرير حماية في حدودها الدنيا للعاملين في إطار تلك العقود ( ) لأن هذا العقد وبالنظر لما يكرسه من هشاشة في علاقات الشغل جعلت المدونة تحدد نطاق وشروط والتزامات هذه المقاولة وفي ذلك تجسيد للضمانات حمائية والمرونة في علاقات الشغل .

أما بخصوص حالات اللجوء إلى هذا العقد حددته المدونة في الفصل 496 (يلجأ المشغل إلى أجراء التشغيل المؤقت بعد استشارة الهيئات التمثيلية للأجراء داخل المقاولة من أجل القيام بأشغال غير دائمة تسمى مهام في الحالات التالية .
– إحلال الأجير محل أخر في حالة غيابه أو في حالة توقف عقد الشغل مالم يكن التوقف ناتجا عن الإضراب .
– التزايد المستمر في نشاط المقاولة .
– إنجاز أشغال ذات طابع موسمي .
– إنجاز أشغال إستقر العرف على عدم اللجوء فيها إلى عقد الشغل غير المحدد المدة بسبب طبيعة الشغل .

أهم ما ميز المدونة أنها حملت إضافة تهم استشارة الهيئات التمثيلية وهي استشارة لم تكن واردة بأي مشروع سابق فالمدونة و مشروع 99 و تميزا عن مشروع 98 نصا على إحداث لجنة مختصة ثلاثية التركيب تعنى بتتبع التطبيق السالم لمقتضيات هذا الباب.
هناك حالات لا يمكن اللجوء فيها إلى أجراء مقاولات التشغيل المؤقت وقد نص على ذلك الفصل 497 وذلك من أجل إنجاز أشغال تكتسي خطورة خاصة هذا من جهة ومن جهة أخرى إذا قامت مقاولة بفصل بعض أو كل أجرائها لأسباب اقتصادية فإنه لا يمكن اللجوء إلى أجراء هذه المقاولة خلال السنة الموالية لتاريخ الفصل لمواجهة التزايد المؤقت في نشاط المقاولة مع مراعاة مقتضيات المادة 508 والمادة 498 من المدونة .
هذا ما يتعلق بعقد الشغل المؤقت فماذا عن عقد الشغل من الباطن ؟

المطلب 2 : تعريف عقد المقاولة من الباطن .
عقد المقاولة من الباطن كما عرفته المادة 86 من المدونة هو عقد مكتوب يكلف بمقتضاه مقاول اصلي مقاولا من الباطن بأن يقوم له بشغل من الأشغال أو ينجز له خدمة من الخدمات ومثال ذلك أن يكلف مقاول متخصص في صفقات البناء أو الأشغال العمومية مقاولا أخر للقيام بمشروع معين في مجال البناء أو بناء قنطرة أو سد أو مركب رياضي أو تقافي.
التشريع السابق (ظهير 24 يناير 1953) كان عقد الشغل من الباطن يتضمن صورين:
الأولى : متمثلة في كون العقد محله توريد اليد العاملة من مقاولة الى أخرى عن طريق وسيط وذلك لتلبية حاجياتها الطارئة.
الثانية : العقد الذي يكون موضوعه تكليف مقاول اصلي مقاولا فرعيا بإنجاز أشغال ما وتقديم خدمات لفائدته، فالصورة الأولى انتقدت من طرف الفقه باعتبارها مساومة على أجور الأجراء واستغلالهم وذلك عندما تتجاوز السنة المخصصة لمورد تلك اليد العامة 10% وهو المصير الذي لقيته هذه الصورة في المدونة إذ نظمت عقد الشغل من الباطن فقط واقتصرت على ضبط أحكام الصورة الثانية دون الأولى وعملت على إلغاء هذا الظهير الذي كان ينظم الصورتين معا، فالمدونة وإن نظمت الصورة الثانية بشكل شبيه مع الظهير الملغى وإن كان بتدابير حمائية أقوى وذلك في إطار العلاقة بين المقاول الأصلي والمقاول من الباطن فبعد تعريف العقدين فماذا بخصوص شروط إبرامهما ؟

المبحث الرابع : شروط إبرام عقد الشغل المؤقت وعقد الشغل من الباطن .
إن عقد الشغل المؤقت » وكالات التشغيل المؤقت » أو عقد المقاولة من الباطن مثلهما مثل عقد الشغل المحدد المدة وعقد الشغل غير محدد المدة فلإبرامهما صحيحتين ومنتجتين لكافة أثارهما القانونية لا بد وأن تتوفر شروط عند إبرامهما( ) وهذا ما سنتطرق إليه في المطالب التالية .
المطلب 1 : الأهلية .
الأهلية هي نفسها في سائر العقود سواء الفردية أو الجماعية ، لابد من توافرها في جميع العقود وتفاديا للتكرار ، فقد سبقت الإشارة إلى ذلك( ) .

المطلب 2 : مدة التجربة .
فترة التجربة هي كما حددتها المادة 13 من المدونة هي الفترة التي يمكن خلالها لأحد الطرفين إنهاء عقد الشغل بإرادته دون اجل الأخطار ولا التعويض. إلا أنه في الحالة التي يقضي فيها الأجير أسبوعا نوعا في الشغل على الأقل ، فلا يمكن إنهاء فترة الاختبار إلا بعد منحه أحد أجلي الإخطار التاليين :
*يومين قبل الإنهاء ، إذا كان من فئة الأجراء الذين يتقاضون أجورهم باليوم أو الأسبوع أو كل خمسة عشر يوما .
*8 أيام قبل الإنهاء إذا كان ممن يتعاطون أجورهم بالشهر.
أما المادة 502 من المدونة فقد نصت على أن فترة التجربة لا يمكن أن تتعدى :
– يومين اثنين إذا كان العقد مبرما لمدة تقل عن شهر .
– 3 أيام إذا ابرم العقد لمدة تتراوح بين شهر وشهرين .
-5 أيام إذا كانت مدة العقد تفوق شهرين .
*هذه المادة متطابقة مع مشروع 99 .
أما بخصوص: مدة توقيف عقد الأجير الذي حل محل الأجير المؤقت وذلك في حالة غيابه أو في حالة توقيف عقد الشغل ما لم يكن التوقف ناتج عن الإضراب هي 3 اشهر غير قابلة للتجديد في حالة التزايد المؤقت في نشاط المقاولة و 6 أشهر غير قابلة للتجديد في حالة إنجاز أشغال ذات طابع موسمي أو إنجاز أشغال استقر العرف على عدم اللجوء فيها إلى عقد شغل غير محدد المدة بحسب طبيعة الشغل.

المطلب 3 : شرط الكتابة .
في إطار عقد الشغل المؤقت فقد نصت المادة 501 من المدونة على انه يحرر العقد كتابة بكل أجير من الأجراء الذين تم وضعهم رهن إشارة المستعمل
)وذلك استثناء على مبدأ رضائية عقد الشغل( وكذلك العقد الذي يربط مقاولة الشغل المؤقت مع المستعمل .
أما عقد الشغل من الباطن إذا كان عقدا كتابيا من ظل ظهير 1953 فإن المدونة تراجعت عن هذا الحكم الذي كان إيجابيا . ومن شأن الاحتفاظ به أن يتم معه تفادي العديد من النزاعات التي تطرحها هذه العلاقة الثلاثية المعقدة . والتخلي عن شرط الكتابة لم تحتفظ به المدونة سوى في عقد الشغل من الباطن الذي يقتصر موضوعه على توريد اليد العاملة وذلك في إطار مقاولات التشغيل المؤقت.
يتضح مما سبق أن عقد الشغل من العقود الرضائية تتم بالتقاء الإراديتين بمعنى أن شرط الكتابة غير ضروري يمكن أن يكون ويمكن أن لا يكون إلا أن المشرع في بعض العقود اشترط الكتابة كضمانة حماية لهذا النوع من العقود نظرا لهشاشتها في علاقات الشغل والأمر يتعلق بعقود الشغل الجماعية )الاتفاقية الجماعية( وهذا ما سنتطرق إليه في الفرع 2.

الفرع 2: عقود الشغل الجماعية : تعريفها ، إبرامها ، مدتها ، تمديدها .
تعتبر اتفاقية الشغل الجماعية من أهم المستجدات التي عرفتها علاقات الشغل مع منتصف القرن الماضي حيث حدبت اهتمام الفقه في مختلف فروع القانون بعد أن أصبحت من أهم مظاهر الديمقراطية الاجتماعية في العصر الحالي من خلال تمكينها لطرفي العلاقة الشغيلة من خلق الأحكام والقواعد التي تنظم العلاقة فيما بينهم .
تكتسي الاتفاقية الجماعية أهمية كأداة ونتيجة في نفس الوقت للحوار الاجتماعي والمفاوضة الجماعية ، إلى أن أصبحت مصدرا أساسيا ونموذجيا لتنظيم العلاقات المهنية بين أطراف الشغل.
الاتفاقية الجماعية وسيلة لخلق واستمرار السلم الاجتماعي داخل المؤسسة أو القطاع الاقتصادي وذلك من خلال مساهمتها في ثبوت واستقرار علاقة الشغل خاصة إذا كانت النصوص التشريعية والتنظيمية التي يضعها المشرع وكذا النظام الداخلي للمؤسسة غير كافيين لوضع حد للمشاكل الخاصة بكل نوع من أنواع النشاط وبكل مؤاجر والاتفاقيات التي تنتهي إليها هذه المفاوضات هي التي تحمل اسم الاتفاقية الجماعية وتسمى في الشرق العقد الجماعي.
الاتفاقية لا تبرم إلا إذا تضمنت امتيازات وضمانات إضافية قياسا لعقود الشغل الفردية،، بل ولما يتضمنه تشريع الشغل كالزيادة في الأجور بموازاة الزيادة في الأسعار أو تقرير مسطرة خاصة حمائية للفصل أو التأمين عن المرض العادي، وعلاوة مختلفة لما يتضمنه تشريع الشغل وهو ما يفسر أن مدونة الشغل أحالت على الاتفاقية
الجماعية في اكثر من الحالات من خلال السماح بمخالفتها لمقتضيات المدونة كلما تضمنت أحكاما افضل الأجير( ) فمصلحة الأجير دائما مقدمة .
كما أن الاتفاقية الجماعية تساهم في توحيد ظروف الشغل بين مجموعات كبيرة من الأجراء في إطار مهن مماثلة تمكن من ضمان نوع من الاستقرار في علاقات الشغل بالمقاولات ولو لمدة معينة وتتضمن الاتفاقية الجماعية كذلك الوسائل لإنعاش الحوار والمفاوضة الجماعية وأساليب لحل نزاعات الشغل سواء الفردية أو الجماعية.
كما تكمن أهمية الاتفاقية الجماعية باعتبارها عقد جماعي من سهولة تحقيق مواكبة المقتضيات المنظمة لعلاقات الشغل للمستجدات الاقتصادية والتكنولوجية، والهيكلية التي تعرفها هذه المقاولات .
و المغرب لم يعرف قبل الحماية الفرنسية للإتفاقية الجماعية كوسيلة لتنظيم وحكم علاقات الشغل، ذلك أن النقابات المهنية التي تقوم بدور كبير في المفاوضات الجماعية وفي إبرام الاتفاقيات الجماعية لم يكن لها وجود بسبب التخلف الصناعي وضآلة عددالطبقة العاملة أما بعد إعلان الحماية الفرنسية أخذت بعض الصناعات تظهر وتنمو مما كان له أثر على بنية الاقتصاد وعلى الطبقة العاملة التي أصبحت تضم أعداد كبيرة من الإجراء مما أدى إلى إصدار ظهير 24 دجنبر 1936( ) تم فيما بعد عملت سلطات الحماية على نقل القانون الفرنسي الخاص بها والصادر في 25 مارس 1919 إلى المغرب بموجب ظهير 13 يوليوز 1938 فكان هذا الظهير أول نص تشريعي الاتفاقية الجماعية بالمغرب، وقد استمر العمل بهذا الظهير إلى أن تم إلغاؤه مع فجر الاستقلال وتعويضه بظهير نص 17 أبريل 1957.
بعد صدور الظهير المذكور تكونت بعد ذلك لجنة تسمى [بالمجلس الأعلى الاتفاقيات الجماعية] من ممثلين عن الاتحاد المغربي للتجارة والصناعة التقليدية والفدرالية الاقتصادية العامة المغربية مع ممثلين عن مختلف الوزارات من اجل وضع توصيات تتعلق بالاتفاقية الجماعية النموذجية ، وقد أسفرت هذه اللجنة نشر وثيقة سميت بتوصيات المجلس الأعلى الاتفاقيات الجماعية شأن تحضير هذه الأخيرة وهي عبارة عن اتفاقية جماعية نموذجية تتكون من إحدى عشر جزءا يتضمن 51 فصل ( ).
على الرغم من أن المشرع المغربي نظم هذه الاتفاقيات منذ وقت مبكر [ظهير 1938 تم ظهير 1957] إلا أن حصيلة هذه الاتفاقيات منذ وقت ظلت ضعيفة ( ) كما تم تجميد عمل المجلس الأعلى للاتفاقيات الجماعية حتى حدود 2000 حين دعت وزارة التشغيل بحكومة التناوب إلى اجتماع له ( ) و…. ولعل من بين أسباب ذلك فتور تقافية الحوار وعدم الاقتناع أصلا بنجاعة نظام الاتفاقية الجماعية طالما تظل مكلفة في نظر المشغلين من جهة وتظل مقيدة لحرية المطالبات المتجددة في نظر النقابات العمالية من جهة أخرى.
هذا كل ما يتعلق بظهير 1938 وظهير 1957 أما المدونة فقد عرفت مستجدات كبيرة بعد أن كان يرجع هدا التنظيم لظهير 1957، هذه المستجدات الغاية منها إنعاش وتيرة إبرام هذه الاتفاقيات التي عرفت تغيرا لسنين عديدة( ).فقد جاءت المدونة بمستجدات أكثر حمائية وأكثر ضمانة وذلك في عدة مستويات لا من حيث تكوين الاتفاقية الجماعية ولا من حيث محتوياتها، أو من حيث تعميمها أو انتهائها، هذه المستحدث تخدم مصالح الإجراء وانطلاقا من كل هذا سنتناول عقود الشغل الجماعية والمتمثلة في الاتفاقيات الجماعية في مبحثين : الأول تعريف الاتفاقية الجماعية وأهميتها وفي مبحث ثان إلى شروط إبرام الاتفاقية الجماعية.

المبحث الأول : تعريف الاتفاقية الجماعية وأهميتها.
ظهرت الاتفاقيات الجماعية كوسيلة لتنظيم وحكم علاقات الشغل في أواخر القرن 19 في وقت كان فيه مبدأ سلطان الإرادة مبدأ مسلما به كأساس لتنظيم العلاقات القانونية، وبما أن الاتفاقية الجماعية عقد جماعي فهو يظل خاضع في كثير من مقتضياته لاحكام نظرية العقد في القانون المدني و أحكام عقد الشغل الفردي.
إن النصوص التشريعية والتنظيمية تقرر الخطوط العريضة التي يجب أن تحكم العلاقات الفردية للشغل وتضمن الأجير حد أدنى من الشروط المتعلقة بالأجر وبتنفيذ الشغل ، وحيث أن هذه النصوص لا يمكنها أن تضع حلولا للمشاكل الخاصة بكل نوع من أنواع النشاط وبكل مؤاجر على حداة كان من الضروري وضع نظام داخلي للمؤسسة أو على الأقل الأخذ بالنظام النموذجي لكنه بدوره من صنع المؤاجر وحدة، كما أن هذا النظام من وضع السلطات العامة وبالتالي ليس للأجراء أي يد فيما يتضمنه كل من النظامين، لذلك كان من الضروري أن توضع مجموعة من القواعد تحكم العمل في المؤسسة ويشارك في وضعها الإجراء بكيفية يضمن ما يعتبرونه حقا لهم بالنظر إلى نوع العمل الذي تزاوله المؤسسة والظروف الزمانية والمكانية لهذه المزاولة ولذلك يتعين على الأطراف أي يناقشوا كيفية تطبيق النصوص على عقودهم الفردية وهذا ما سمي بالاتفاقية الجماعية فما هي الاتفاقية الجماعية ؟ . وما هي أهميتها ؟

المطلب 1 : تعريف الاتفاقية الجماعية
تعتبر الاتفاقية الجماعية حسب الفصل 104 من المدونة [عقد جماعي ينظم علاقات الشغل، يبرم بين ممثلي منظمة مهنية للإجراء الأكثر تمثيلا أو عدة منظمات نقابية الإجراء الأكثر تمثيلا أو اتحاداتها من جهة ثانية وبين مشغل واحد أو عدة مشغلين يتعاقدون بصفة شخصية أو ممثلي منظمة مهنية للمشغلين أو عدة منظمات مهنية للمشغلين من جهة أخرى تحت طائلة البطلان أن تكون اتفاقية الشغل مكتوبة ].
عرفها ظهير 17. أبريل 1957 [عقد كتابي متعلق بشروط الاستخدام والشغل يبرم بين ممثلي نقابة مهنية للعملة أو عدة نقابات للعملة من جهة وبين مشغل واحد أو عدة مشغلين يتعاقدون بصفة شخصية أو بين ممثلي نقابة أو هيئة مهنية للمشغلين أو عدة نقابات أو هيئات مهنية للمشغلين من جهة أخرى].
المشرع الفرنسي عرفها [ بأنها اتفاق يتعلق بشروط العمل والضمانات الاجتماعية تبرم من جهة عن طريق منظمة نقابية عمالية، أو أكثر معترف لها بالصفة الأكثر تمثيلا …. ومن جهة ثانية عن طريق منظمة نقابية وأكثر منظمات أصحاب الأعمال أو أية هيئة أخرى من هيئات أصحاب العمل أو واحد أو أكثر من أصحاب الأعمال].
من خلال هذه التعاريف يتضح أن الاتفاقية الجماعية هي الوسيلة الفعالة التي تنظم وتحكم علاقات الشغل وشروطها بمشاركة الأجراء.
أما على المستوى الفقهي المقارن( ) [الاتفاقية الجماعية اتفاق تبرم بين نقابة أو أكثر من نقابات الأجراء أو اتحاد نقابتهم من جهة وبين مؤاجر أو أكثر أو هيئاتهم التمثيلية من جهة ثانية، بهدف التحديد المشترك للشروط والضمانات التي تبرم وتنفذ فيها عقود الشغل الفردية].
يتضح من مختلف هذه التعاريف سواء الفقهية ، التشريعية، أن الاتفاقية الجماعية لا يمكن أن تبرم بين كل من الأجير والمؤاجر وإنما تبرم على الأقل من جانب الإجراء من خلال نقابتهم المهنية هذا من جهة ومن جهة ثانية فإن الاتفاقية الجماعية لا تنشئ عقد الشغل الفردي وإنما تولد مجموعة من القواعد والشروط التي تنظم علاقات الشغل التي تنشأ بعد نفاذها أو التي تكون نشأت بعد نفاذها ولكنها مازالت سارية المفعول بعد نفاذها لذلك يذهب بعض الفقه ( ) إلى انتقاء تسمية اتفاق العمل الجماعي أو عقد الشغل الجماعي طالما لا ينشئ علاقة شغل، ويقترحون تسميته بالإتفاق الجماعي، لتنظيم الشغل باعتبارها أكثر دلالة على موضوع الاتفاق.
كما أن الفقه مجمع على أهمية هذه الاتفاقيات وخاصة في الدول المتقدمة وعلى رأسها [ألمانيا، اليابان ، أمريكا] فما هي أهميتها وهذا ما سنتطرق إليه في مطلب ثان.

المطلب 2 : أهمية الاتفاقية الجماعية .
تكتسي الاتفاقية الجماعية أهمية بارزة باعتبارها الوسيلة الفعالة والمثلى التي تنظم وتحكم علاقات الشغل لجعل هذه الأخيرة تعكس واقعها وتعمل على تحقيق شروط عمل مطامح الإجراء ومطالبهم وفق إمكانيات المؤسسة.
فالاتفاقية الجماعية مع تطور علاقات الشغل في اتجاه جماعي أضحت الوسيلة المرنة حيث أن تمخضها عن الاتفاق المشترك بين عنصري الإنتاج يضمن لها الفعالية بعيدا عن الضوابط التشريعية التي تبت عجزها عن مجاراة التطورات التي تعرفها العلاقات التي تتميز بالحركية وعدم الثبات لارتباطها بعوامل عدة: [اقتصادية، اجتماعية، سياسية]، وتتجلى أهمية الاتفاقية الجماعية في عدة مستويات:
الفقرة 1 : أهمية الاتفاقية الجماعية على المستوى القانوني.
تقوم الاتفاقية الجماعية على المستوى القانوني بدور مهم، حيث تعد من المصادر الأساسية التي تحكم علاقات الشغل، وأداة تعكس ارتقاء واستقلال الإرادة الجماعية لطرفي هذه العلاقة وبالتالي فهي تقوم بدور مزدوج في تنظيم علاقات الشغل.
الاتفاقية الجماعية يمكنها أن تتطرق بالتنظيم إلى مواضيع لم تتطرق إليها قواعد قانون الشغل هذا من جهة ومن جهة أخرى يمكنها أن تتدخل لتنظيم مواضيع منظمة بموجب القانون على نحو مخالف للتشريع. مراعية في ذلك مصلحة الأجير فهي دائما مقدمة عن المصالح الأخرى تطبيقا لفكرة النظام العام الاجتماعي ( ) الذي يفضي بعدم النزول عن الحد الأدنى للحقوق المقررة قانونا.
الاتفاقية الجماعية تمهد الطريق للمشرع لاعمال ما يرتضيه طرفا العلاقة الشغيلة من قواعد واحكام حيث تقوم الاتفاقية الجماعية بتطوير قواعد قانون الشغل حيث تبلور هذه القواعد والنص على اعتبارها من قبيل الحد الأدنى الذي يمكن أن تستفيد منه الطبقة العاملة.
يتضح أن الاتفاقية الجماعية على المستوى القانوني تكتسي أهمية فعالة فماذا عن المستوى الاجتماعي ؟

الفقرة 2 : أهمية الاتفاقية الجماعية على المستوى الاجتماعي.
بالإضافة إلى أهمية الاتفاقية الجماعية على المستوى القانوني فإنها تكتسي كذلك أهمية على المستوى الاجتماعي حيث تعمل على تحقيق السلم الاجتماعي . داخل المؤسسة. واحلال روح التعاون والتفاهم بدل الصراع والمواجهة بين عنصري الإنتاج لان الصراع يؤدي إلى القوة والنزاع من إضراب ، إغلاق وهذا ما تريد الاتفاقية الجماعية تجنبه هادفة إحلال روح التعاون بدل تجارب القوة.
تعتبر الاتفاقية الجماعية عامل من عوامل استقرار الشغل الذي يعد من أهم العوامل التي تعمل المدونة جاهدة على تكريس استقرار الأجير في عمله ، لما له من انعكاس على المركز القانوني والذي ينعكس هذا الاستقرار على الزيادة في الإنتاج وإتقان العمل من طرف الأجير لأن وضعه مستقر ونفسيته كذلك لأن هناك ثقة واطمئنان على وضعه مادام يشعر بعدالة مركزه والمعاملة التي يتلقاها داخل المؤسسة .
الاتفاقية الجماعية تسمح بمعالجة الوضع اللامتكافئ بين طرفي الشغل [المؤاجر / الأجير] حيث يفرض المؤاجر شروط العمل على الثاني حيث يستأثر بتنظيم علاقة مع أجرائه على النحو الذي يحقق مصالحه، وبالتالي يؤدى إلى تحكمه والإضرار بحقوق ومصالح الأجراء الذين لا دخل لهم في إعداد بنود عقد الشغل، ومن أجل تفادي هذا الوضع اللامتكافئ فالاتفاقية الجماعية تسمح بإتاحة الفرصة للاجراء للتفاوض ومناقشة شروط الشغل مع مؤاجرهم من موقع الند للند في إطار تجمعات نقابية تتولى منافسة شروط الشغل نيابة عنهم وعلى قدم المساواة مع مؤاجر هم، وهكذا أعطيت الأولوية للإطار التفاوضي واعتبر القانون الاتفاقي وسيلة لتعديل التشريع الاجتماعي، فما هي الاتفاقية الجماعية على المستوى الاقتصادي ؟

الفقرة 3 : أهمية الاتفاقية الجماعية على المستوى الاقتصادي .
بالإضافة إلى المستويين السابقين للاتفاقية الجماعية بقي المستوى الاقتصادي حيث تحتل الاتفاقية الجماعية في ظله أهمية لا تقل عن المستويين السابقين وذلك من خلال بلورة مجموعة من المزايا الإقتصادية لطرفي الشغل من خلال توحيد شروط الشغل التي تطبيق على الإجراء وعلى المؤاجرين مما يؤدي إلى خلق أسس عادلة للمنافسة.
الاتفاقية الجماعية تقوم بدور مهم وهذا ما دلت عليه التجربة في الاقتصاديات المتقدمة التي تتميز بثبات العلاقات الشغلية عكس الاقتصاديات التي لا تزال في طور النمو بعدم ثبات هذه العلاقات نتيجة تخلف الحوار والمفاوضة الجماعية فيها. واعتمادها شبه الكلي على قواعد التشريع العاجزة على مواكبة تطورات الحياة الاقتصادية والاجتماعية.
كما أن الاتفاقية الجماعية تساعد على الربط بين قانون الشغل وبين التطور الاقتصادي ذلك أن التشريعات المقارنة ومنها التشريع المغربي يسمح للأطراف بتكيف مضمون الاتفاقية تبعا لتطور الحالة الاقتصادية للمؤسسة أو الصناعة أو القطاع المعني وبالتالي الربط بين ما تحققه مؤسسة ما أو قطاع اقتصادي معين وما يحق للأجراء الحصول على نتيجة لتطور الحالة الاقتصادية يعني هناك علاقة جدلية بين حجم هذه المزايا مع درجة تطور الحالة الاقتصادية للمؤسسة أو القطاع الاقتصادي المرتبط بالاتفاقية.

تتميز الاتفاقية الجماعية كذلك بالقدرة عن المواءمة بين ما تحمله من شروط الشغل من أعباء اقتصادية وبين ما يمكن لأي منها [مؤسسة / صناعية] تحمله بالفعل من أعباء( ).
هكذا يتضح أن الاتفاقية الجماعية خلقت أساسا عادلا للمنافسة سواء بالنسبة للإجراء أو بالنسبة للمؤاجرين، وفيما يخص الأجراء عملت الاتفاقية الجماعية على توحيد ظروف الشغل على جميع الإجراء المؤسسة أو الصناعة المرتبطة بها أما فيما يتعلق بالمؤاجرين فالاتفاقية الجماعية أدت إلى تخفيض حدة المنافسة فيما بينهم من خلال المساواة في تحمل الأعباء الاجتماعية للمشروع بحيث في حالة مخالفة قواعد وشروط الاتفاقية الجماعية يكون من حق الطرف المتضرر اللجوء إلى الجهة المختصة للمطالبة بالتقيد بشروط الاتفاقية الجماعية أو المطالبة بالتعويض عن الضرر.
هذه هي أهم ما يميز الاتفاقية الجماعية في مستوياتها الثلاث : [الاقتصادية ، القانونية ، الاجتماعية]، فماذا عن إبرام الاتفاقية الجماعية وشروطها الشكلية والموضوعية ؟ هذا ما سنتناوله في المبحث الثاني.

المبحث 2 : إبرام الاتفاقية الجماعية .
إذا كانت الاتفاقية الجماعية كما سبق الإشارة إلى ذلك وسيلة لحكم وضبط علاقات الشغل يخضع لتنظيم قانوني تحاول التشريعات المقارنة من خلاله التوفيق بين مصالح كل عنصر الإنتاج، فإن هذا التنظيم لا ينفي كونها من حيث إبرامها مجرد تصرف قانوني، ومن تم فإنها تخضع للقواعد العامة التي تحكم صحة وانعقاد العقود، بالإضافة إلى ما تتطلبه الضوابط القانونية من شروط خاصة( ).
إن كثيرا من المقتضيات المنظمة للاتفاقية الجماعية تقربها من اعتبارها نظاما قانونيا وذلك بسبب تعدد مجالات تدخل المشرع بمقتضيات آمرة سواء في طريقة إبرامها أو تحديد محتوياتها ونطاقها وخاصة على مستوى تعميمها على أجراء نفس المهنة بشروط معينة ( ) .
وانطلاقا من ظهير 17 أبريل 1957 يتضح أنه لإبرام الاتفاقية الجماعية لابد من توفر الشروط الموضوعية الواجب توافرها في الإبرام من حيث اطرافها وموضوعها ومدتها، تتطلب هذه المقتضيات أيضا توفر الشروط الشكلية من كتابة وإشهار، والمشرع اشترط حتى تحيط الاتفاقية الجماعية بمجموعة من الضمانات، وذلك درءا للمنازعات التي يمكن أن تحصل في المستقبل فما هي هذه الشروط ؟ وهذا ما سنتطرق إليه في مطلبين : الأول متعلق بالشروط الموضوعية والمطلب الثاني متعلق بالشروط الشكلية.

المطلب 1 : الشروط الموضوعية لإبرام الاتفاقية الجماعية.
لإبرام الاتفاقية الجماعية لابد من توفر مجموعة من الشروط التي تنقسم إلى قسمين [موضوعية، شكلية] وهي شروط يتطلبها التشريع، تتعلق بالرضى تم الأطراف ثم النطاق ثم المحتويات. هكذا سنتناول كل شرط على حدة.

الفقرة 1 : الرضى وصحته.
تنص مقتضيات الفصل الأول من ظهير 17 أبريل 1957 على أن الاتفاقية الجماعية عقد كتابي وبالتالي فإنها تخضع في إبرامها لذات القواعد التي تخضع لها بقية العقود، هكذا يتعين أن تتوافر في إبرامها نفس الأركان والشروط التي يتطلبها قانون الالتزامات والعقود من رضى محل وسبب ( ) بالإضافة إلى شروط صحة الرضى من أهلية ( ) [أهلية الأداء].
عقد الشغل من العقود الرضائية : التقاء ارادتين سليمتين حرتين حيث ألغت المدونة نظام التسخير ( ) في المادة 10 [يمنع تسخير الإجراء لأداء الشغل قهرا أو جبرا.
ينص الفقرة 1 : من المادة 15 من المدونة [تتوقف صحة عقد الشغل على الشروط المتعلقة بتراضي الطرفين وبأهليتهما للتعاقد وبمحل العقد وسببه، كما حددها قانون الالتزامات والعقود.]
كشرط من شروط صحة الرضى تختلف الأهلية وأحكامها في مجال الشغل عنه في قانون الالتزامات والعقود. وهكذا لا يعتبر أهلا لإبرام عقد الشغل إلا من بلغ 15 سنة وهذا ما نصت عليه المادة 143 من المدونة ، والهدف من رفع سن التشغيل هو استكمال الدراسة بعد ما كان السن هو 12 سنة، وقد صادق المغرب على الاتفاقية الدولية رقم 138 إلى تؤكد ضرورة اعتماد سن أدنى للتشغيل لا يقل عن 15 سنة. وانطلاقا من هذا يتضح أن المدونة جاءت بتدابير أكثر حمائية للأجير الحدث قياسيا مع ظهير 17- أبريل 1957 وقد قررت المدونة أقصى جزاء : غرامة تتراوح ما بين 25.000 و30.000 في حالة مخالفة المادة 143 من المدونة وهو أعلى مبلغ مقرر في المدونة ، وهذا الجزاء مقرر في حق المخالفين للسن القانوني للتشغيل، فإذا أبرام قاصر عقد شغل سواء فردي أو جماعي اعتبر باطلا. أما إذا ابرم العقد النائب الشرعي للحدث القاصر [الأجير] فيخضع لأحكام الأهلية المحددة في قانون الالتزامات والعقود. وهذا ما نصت عليه المادة 15 من المدونة( ) .

الفقرة 2 : أطراف الاتفاقية الجماعية .
يعتبر أطراف الاتفاقية الجماعية من الشروط الموضوعية الواجب توفرها في كل اتفاقية وينقسم الأطراف إلى نوعين .أطراف اصليون[ وهم الأطراف الذين يكونون أطراف أصلية في الاتفاقية] ثم الأطراف المنضمون وهم الأطراف المنظمة إلى الاتفاقية الجماعية بعد إبرامها.
أ-الأطراف الاصليون: هم الأشخاص الطبيعيون أو المعنويون الذين ابرموا الاتفاقية الجماعية أي المؤاجرين أو الهيئات الممثلة لهم وكذلك الإجراء من خلال منظماتهم النقابية .
التشريعات المقارنة ومنها التشريع المغربي لا يسمح بإبرام الاتفاقية الجماعية من طرف الإجراء أنفسهم مهما بلغ عددهم عكس المؤاجر الذي يمكن أن يكون واحدا أو أكثر أو منظمة نقابية أو هيئة ممثلة لهم ويشترط فيه أن يكون ممن يشغلون إجراء ينتمون إلى منظمة نقابية ، وكذلك الأمر بالنسبة للأجراء يشترط أن يجمعهم تنظيم نقابي يتولى عنهم المفاوضات الجماعية وإبرم الاتفاقية الجماعية. أما في الحالة التي لا يوجد في المؤسسة أي تنظيم نقابي للمهنة وأبرم الأجراء اتفاقا لتنظيم الشغل مع مؤاجرهم فإن هذا الإتفاق لا تعطي له صفة اتفاقية جماعية ولا يتمتع بما تتمتع به هذه الأخيرة من حماية قانونية وان كان هذا لا يمنع من تطبيق القواعد العامة في الالتزامات على مثل هذا الاتفاق.
تحتكر النقابة ( ) حق إبرام الاتفاقية الجماعية باعتبارها الأجدر على التفاوض بشأن محتوياتها ، وتتعاقد النقابة باسم المجموعة العمالية إما بناءا على القانون الأساسي للنقابة وإما بقرار خاص لها وإذا أبرمت الاتفاقية خارج أحد هذين الإجماليين فلا تعتبر صحيحة إلا إذا تمت الموافقة عليها من جانب الطرف الأخر: المشغل أو المشغلون المعنيون عبر مداولات خاصة وهذا ما نصت عليه المادة 108 من المدونة.
وإذا كان المشرع المغربي يشترط إبرام الاتفاقية الجماعية من خلال النقابة نيابة عن الأجراء ، فإنه لا يوجد ما يمنع من تعدد نقابات الأجراء التي تكون طرفا في الاتفاقية الجماعية، شرط أن تكون هذه النقابات ممثلة لمهنة واحدة أو مرتبطة أو متشابهة فاختلاف المهن يؤدي إلى اختلاف المصالح الذي ينعكس على مضمن الاتفاقية من خلال تضمينه شروط متباينة خاصة بكل مهنة.
المدونة حسمت النزاع عندما وفرت الحكم المناسب في حالة تعدد النقابات حيث حصرت حق إبرام الاتفاقية الجماعية على النقابة الأكثر تمثيلا ( ) إلا أنها لم توفر الحكم في الحالة التي لا توجد بها أية نقابة أصلا بمقاولة ما يرغب فرقاؤها في إبرام الاتفاقية الجماعية عكس التشريعات المقارنة ومنها التشريع الفرنسي والتي سمحت لمندوب الإجراء بحق إبرام الاتفاقية الجماعية بعد حصوله على تفويض نقابي.
إذا كان التشريع المغربي على غرار غيره من التشريعات المقارنة ينيط بالنقابات العمالية المهنية مهمة إبرام الاتفاقية الجماعية كطرق اصلي عن الأجراء، فإن ذلك يترتب عنه صيرورة المفاوضات الجماعية سواء مع المؤاجرين أو ممثليهم أو مع السلطة الحكومية كمشغل .
ب-الأطراف المنضمون : هم الأشخاص الذين ينضمون إلى الاتفاقية الجماعية بعد إبرامها . وقد أجاز المشرع المغربي على غرار التشريعات المقارنة لغير المتعاقدين من المؤاجرين أو هيئاتهم أو منظماتهم النقابية ومن النقابات المهنية العمالية، الانضمام إلى الاتفاقية دون حاجة إلى موافقة الأطراف المتعاقدين الأصليين، وهذا ما نصت عليه مقتضيات الفصل 11 من ظهير 1957، وذلك بعد إخطار الطرفين المتعاقدين وكتابة ضبط المحكمة الابتدائية المودعة لديها الاتفاقية الجماعية وكذلك وزارة التشغيل بموجب إشعار مع التوصل، ولا يصبح هذا الإنضمام إليها إلا ابتداء من اليوم الموالي لتبليغ الإخطار به إلى وزارة التشغيل.
المدونة في المادة 110 وهي مادة متطابقة مع مواد المشاريع (98-99) السابقة للمدونة ل[يبلغ …. الانضمام برسالة مضمونة مع الإشعار بالتوصل إلى أطراف الاتفاقية الجماعية والى السلطة الحكومية المكلفة بالشغل والى كتابة ضبط المحكمة الابتدائية النافدة بدائرتها الاتفاقية المذكورة]
يشترط في النقابة أو الهيئة التي تريد الانضمام إلى الاتفاقية الجماعية أن تكون ممثلة لمهنة أو صناعة أو مرتبطة أو مشتركة في إنتاج واحد مع النقابة أو النقابات الموقعة ابتداء. لأنه كما سبقت الإشارة. فإن الاختلاف في المهن يؤدي إلى الاختلاف في المصالح ( ) ،عكس المشرع الفرنسي ( ) الذي يسمح لغير الأطراف الأصلية في الاتفاقية الجماعية بالانضمام إليها وذلك بصرف النظر عن النشاط المهني الذي تمارسه الأطراف الراغبة في الانضمام إليها وإن كان المشرع الفرنسي يقرن دلك بموافقة الأطراف الأصلية، بحيث إذا حصل الاتفاق، فإنه يترتب عن ذلك تغير النطاق المهني للاتفاقية الجماعية والهدف من ذلك هو جعل أكبر عدد من الإجراء يستفيدون من مقتضيات الاتفاقية الجماعية إذا كانت أكبر فائدة من عقود شغلهم الفردية ( ).
بعد التطرق للأهلية (التراضي) ثم أطراف الاتفاقية الجماعية بقي لنا أن نتطرق إلى مضمون هذه الاتفاقية الجماعية.

الفقرة 3 :مضمون الاتفاقية الجماعية .
مضمون الاتفاقية الجماعية هو المواضيع التي تتناولها الاتفاقية بالتنظيم ، والالتزامات التي يتعهد بها كل من الفريقين تجاه الأخر وهذا ما نصت عليه الفقرة الثانية من الفصل الأول من ظهير 1957. بموجب هذا الظهير ترك المشرع المغربي للأطراف الاتفاقية الجماعية حرية تحديد مضمون الاتفاقية الجماعية وهو مضمون واسع يتضمن الأحكام المتعلقة بالشغل والأجور وأداء الشغل وفسخ عقد الشغل، بالإضافة إلى الأحكام المتعلقة بالصحة داخل المؤسسة وترقية الأجراء والإجراءات المتعلقة بحل الخلافات سواء تعلق الأمر بالإضراب أو الإعفاء الجماعي للأجراء أو الإغلاق المؤقت، وبالتالي فمضمونها متروك للأفراد . دون الإشارة إلى وجوب تضمينها لأية مواضيع محددة ، حيث يجوز لهم تضمينها ماشاؤا من الأحكام لذلك يلاحظ اختلاف أحكام وشروط الاتفاقيات الجماعية تختلف من اتفاقية إلى أخرى وتتنوع حسب ما تسفر عنه المفاوضات شرط التقيد ببعض الضوابط والمتمثلة في القيود التي ترد على حرية الأفراد ، فهذه الحرية ليست مطلقة تتمثل أساسا في عدم مخالفة القواعد القانونية المنظمة لعلاقات الشغل إذ يرتب البطلان كل شرط أو بند في الاتفاقيات الجماعية يخالف حكمها من الأحكام المشكلة قانون الشغل أو يقيد من نطاقه، ما لم تكن المخالفة لصالح الأجير أي أكثر فائدة من القاعدة القانونية فالعبرة في تقدير ما إذا كانت أكثر فائدة هي بالنظر إلى كل جزئية على حدة فإذا كانت معظمها أكثر فائدة ولكنها في جزء منها أقل فائدة وقع الشق الأخير لوحده باطلا وبقيت الإتقاقية الجماعية ببنودها وشروطها نافدة.

يرى الأستاذ عبد اللطيف الخالفي ( ) مع بعض الفقه إن تحديد ما إذا كانت شروط وبنود الاتفاقية الجماعية أكثر فائدة من قواعد القانون مسألة موضوعية يفصل فيها القاضي وفقا لظروف الحال ملتزما معيارا موضوعيا يستمده من الحكمة التي قصدها المشرع من وضع القاعدة القانونية التي خالفتها شروط الاتفاقية الجماعية دون نظر إلى رأي الأجراء أو مصلحتهم الشخصية .

أما مدونة الشغل واهتداءا بملاحظات خبراء المكتب الدولي للتشغيل وبما تتضمنه من موضوعات الاتفاقية النموذجية الاطارية المنبثقة عن المجلس الأعلى للاتفاقيات الجماعية إلى جرد محتويات معينة على سبيل المثال يجب أن تتضمنها كل اتفاقية جماعية للتشغيل خاصة [بعد صمت تشريع الشغل عن ذلك] وهذا ما نصت عليه المادة 105 من المدونة :
«تتضمن اتفاقية الشغل الجماعية الأحكام المتعلقة بعلاقات الشغل ولاسيما:
1-عناصر الأجر المضيف على فئة من الفئات المهنية وهي :
أ-المعاملات التسلسلية المتعلقة بمختلف المستويات والمؤهلات المهنية وتطبق هذه المعاملات على أساس الحد الأدنى لأجر الأجير الذي لا يتوفر على مؤهلاته قصد تحديد الحد الأدنى لأجور باقي فئات الأجراء حسب مؤهلاتهم المهنية.
ب-كيفيات تطبيق المبدأ الذي يعتبر أن المساواة في قيمة الشغل تقضي المساواة في الأجر، وذلك فيما يخص الإجراءات المتبعة لتسوية الصعوبات التي قد تنشأ في هذا الشأن.
2-العناصر الأساسية التي ستساعد على تحديد مستويات المؤهلات المهنية وخاصة منها البيانات المتعلقة بالشهادات المهنية أو بغيرها من الشهادات .
3-شروط وأنماط تشغيل الأجراء وفصلهم، على ألا تنطوي الأحكام المقررة في هذا الشأن على ما يمس حرية الأجير، من اختيار النقابة الذي يرغب في الانتماء إليها.
4- الأحكام المتعلقة بإجراءات مراجعة اتفاقية الشغل الجماعية وتعديلها، وإلغائها كلا أو بعضا.
5-الإجراءات المتفق عليها بين الطرفين لتسوية نزاعات الشغل الفردية والجماعية، التي قد تحدث بين المشغلين والأجراء المرتبطين بالاتفاقية .
6-تنظيم تكوين مستمر لفائدة الأجراء يهدف إلى تحقيق ترقيتهم الاجتماعية والمهنية ، والى تحسين معارفهم العامة والمهنية وملاءمتها مع التطورات التكنولوجية.
7- التعويضات.
8- التغطية الاجتماعية
9- الصحة والسلامة المهنية.
10- ظروف الشغل والتشغيل
11- التسهيلات النقابية
12- الشؤون الاجتماعية

من خلال هذه المادة يتضح موقف المدونة الجديدة والإيجابي الذي سجل لاول مرة في النظام القانوني للاتفاقيات الجماعية، إلا انه رغم ذلك فالمدونة غيبت لائحة الكثير من المواضيع الهامة وان أخذت ببعضها بنوع من الخجل مثل التسهيلات النقابية عوض ممارسة العمل النقابي وإغفال بعضها مثل تنظيم الجانب التأديبي الأجراء، كما أن مضمون الاتفاقية الجماعية لا يجب أن يخالف المقتضيات القانونية الآمرة وعدم النزول عن مكتسبات مقررة قانونا مثل الاختصاص النوعي للمحاكم / الزيادة في مدة الشغل / تخفيض آجال الإخطار / ألا تنزل عن الضمانات المقررة في الاتفاقية الجماعية إلا أنها مقتضيات صحيحة إذا تم تكريس ضمانات أقوى مما عليه الحال في الاتفاقية الجماعية والعكس صحيح في حالة التعارض بين محتويات عقد الشغل الفردي والاتفاقيات الجماعية. فالأمر يحسم دائما لفائدة الأفضل للأجير.

هكذا يتضح أن المدونة جاءت بضمانات أكثر حمائية تخدم مصلحة الأجير وإلا لما كان للاتفاقية الجماعية أي معنى، على اعتبار أن الأجير هو الطرف الضعيف في العلاقة التعاقدية حيث أنها قدمت مصلحته أينما وجدت، وهذا ما كرسه نص المادة 113 من المدونة في فقرتها الثانية.
لذا فالفقه يطالب بالعمل على بلورة اتفاقية جماعية نموذجية اطارية تكون مرجعية للإستنئاس للعازمين على إبرام الاتفاقية الجماعية التي سيوكل لمجلس المفاوضة الجماعية الذي أقرته المدونة لتعرض المجلس الأعلى الاتفاقيات الجماعية.
بعد التطرق إلى العناصر السالف ذكرها لابد من الحديث عن الشروط الشكلية التي قررها المشرع بالإضافة إلى الشروط الموضوعية السابق ذكرها.
الفصل ألأول : تنظيم علاقات الشغل في مدونة الشغل
عقود الشغل في مدونة الشغل