آثار خطابات الضمان / خطاب الضمان البنكي

أنواع خطابات الضمان وأثارها – الفصل الأول:
المبحث الثاني: آثار خطابات الضمان
تمهيد وتقسيم:
تندرج خطابات الضمان البنكية ضمن إطار تعاقدي يتميز بتشعب العلاقات القانونية لتعدد الأطراف المعنية بهذه الضمانة، فلضمان تنفيذ العقد الأصلي الذي يربط العميل بالمستفيد طبقا للشروط المبينة فيه غالبا ما يشترط هذا الأخير من المتعاقد معه أن يقدم له ضمانة من طرف البنك، لهذا يتقدم العميل إلى البنك الذي يتعامل معه بطلب تقديم ضمانة لفائدة المستفيد.

وبموافقة البنك على إصدار خطاب الضمان تنشأ علاقة قانونية فيما بينه وبين عميله، وعندما يقوم (البنك) بتنفيذ تعهده بإصدار خطاب الضمان وإعلام المستفيد بذلك فإن هذا الخطاب ينتج كافة آثاره في مواجهة الأطراف، لهذا وحتى نتمكن من إدراك وفهم عمق العلاقة الناشئة بين هذه الأطراف ارتأينا أن نعالج كل علاقة على حدة مبتدئين بعلاقة العميل بالبنك (المطلب الأول)، ثم علاقة هذا الأخير بالمستفيد (المطلب الثاني) وأخيرا علاقة المستفيد بالعميل (المطلب الثالث).

المطلب الأول: علاقة البنك الضامن بالعميل الآمر
بعد إبرام عقد الأساس بين المستفيد والعميل يلجأ هذا الأخير إلى البنك الضامن لاستصدار خطاب ضمان بنكي عن طريق خطاب الأمر أو التعليمات التي تحدد بصورة إجمالية البيانات التي سيصدر بها خطاب كإسم المستفيد ومبلغ الضمان والغرض منه ومدة صلاحيته.
وللوقوف على مختلف الآثار القانونية التي تترتب على علاقة البنك الضامن بالعميل (الفقرة الثانية) لابد أولا من معرفة طبيعة وماهية العلاقة التي تربط بينهما (الفقرة الأولى).

الفقرة الأولى: ماهية العلاقة بين العميل والبنك
بعد إبرام عقد الأساس بين المستفيد والعميل وبعد الاتفاق على كافة المسائل الجوهرية فيما يتعلق بكيفية تنفيذه والضمانات الواجب تقديمها، يلجأ العميل الآمر إلى البنك المتعامل معه مطالبا إياه بإستصدار ضمان بنكي لمصلحة الطرف الآخر في عقد الأساس، ولذلك يبرم العميل عقدا مع الضامن وبموجب هذا العقد يتعهد الضامن بإصدار ضمان بنكي وبالنوع المطلوب، والبنك سيد قراره في إصدار هذا التعهد فيحق له رفض إصدار هذا الضمان أمام العميل إلا إذا تعهد أمام هذا الأخير بموجب العقد المبرم بينهما، فيلتزم عندئد بإصداره في مواجهة المستفيد، حيث تبدأ العلاقة بين العميل والبنك بصدد خطاب الضمان عندما يتقدم إلى البنك بطلب إصدار الخطاب. فهذا الطلب إيجاب من العميل إلى البنك ويتضمن طلب العميل غالبا البيانات التي سيصدر بها الضمان. وهي اسم المستفيد ومبلغ الضمان والغرض منه ومدة صلاحيته، كما يتضمن تصريحه للبنك بدفع قيمة خطاب الضمان الى المستفيد عند اول طلب يرد من هذا الأخير، أو بعد تقديم مستندات معينة ودون حاجة إلى الحصول على رضا العميل بل ورغم ما قد يصدر منه من معارضة.
وقد آثارت العلاقة بين العميل الآمر والبنك الضامن جدلا فقهيا فيما يخص التكييف القانوني إذ ذهب الفقه الألماني والهولندي والسويسري والايطالي ومنهم Poullet. Dohm. Kleiner Schinner إلى كون العلاقة بين العميل والبنك هي علاقة وكالة. وبالتالي استخلصوا أن التزام الموكل (الطرف الآمر) بتعويض البنك الوكيل عن كل النفقات والمصارف التي يتكبدها من جراء التزامه قبل المستفيد. وبهذه الصورة يتأسس من الناحية القانونية التزام الآمر بتسديد قيمة المبالغ المالية التي قد يكون البنك الضامن مضطرا إلى دفعها إلى المستفيد تنفيدا لإلتزامه .

وقد أخذت بهذا الرأي المحاكم الألمانية ويظهر ذلك من خلال الحكم الذي أصدرته محكمة « Oberlandesgericht Frank Fort » بتاريخ 27 أبريل 1987 حيث قطعت بفكرة الوكالة وأن البنك يعد وكيلا عن العميل في هذا الصدد. كما أخذت بذات الأمر محكمة Kolam بتاريخ 15-03-1991. وبمقتضى هذه الفكرة فإن البنك يعمل لحساب العميل، والتالي يجب على البنك أن يأخذ في حسبانه أن العميل ربما يكون نفد التزاماته نحو المستفيد وبالتالي يتحمل مسؤولية كل وفاء غير صحيح.
بخلاف هذا الرأي الذي يفسر العلاقة بين العميل والبنك على أساس الوكالة، فقد ذهبت أغلب الاجتهادات القضائية والفقهية إلى تفسير هذه العلاقة على أساس أنها تعهد بتقديم خدمة مصرفية محددة –اعتماد بطريق التوقيع او اعتماد بالضمان –ومن هؤلاء نذكر خليل فكتور تادريس إذ ذهب إلى الأخذ بفكرة الاعتماد بالضمان، وبالتوقيع، فالبنك من جانبه يقوم بفتح اعتماد لضمان العميل في مواجهة المستفيد، ولكن ليس لتنفيد الالتزام بذاته، وإنما عن طريق تقديم توقيعه وتعهده بالسداد والدفع متى كان ذلك محلا للمطالبة وذلك خلال مدة معينة وبمبلغ معين، فالاعتماد بالتوقيع عملية قوامها الثقة المتبادلة بين البنك والعميل بأن ينفذ كل منهما التزاماته التعاقدية” .
وهو ما انتهت إليه المحكمة التجارية بباريس في قرار لها بتاريخ 15 نوفمبر 1984 حيث أكدت على أن هناك عقدا فيما بين البنك والأمر وأن هذا العقد هو عقد تقديم خدمة يتعهد بمقتضاه البنك بالقيام بعمل وذلك في شكل عقد فتح اعتماد بالضمان.
وبناء على ما سبق فإن البنك لا يتعهد بأن يقدم للمستفيد أموالا نقدية معينة وإنما يلتزم بمعاضدة إئتمان وثقة زبونة تسهيلا له للحصول على تنفيذ الصفقة التجارية الشيء الذي جعل علاقة البنك بالآمر علاقة تعهد بفتح اعتماد بالضمان أو تقديم ائتمان بطريق التوقيع.
غير أن ما تجدر الإشارة إليه في نهاية هذه النقطة أن العلاقة بين العميل والبنك مهما كانت طبيعتها فهي ترتب التزامات متقابلة فيما بين الطرفين.

الفقرة الثانية: الالتزامات المترتبة على أطراف عقد فتح الاعتماد بالضمان
يعتبر عقد فتح الاعتماد بالضمان من العقود الملزمة للجانبين (عقود المعاوضة)، الشيء الذي يرتب إلتزامات متقابلة ومتبادلة فيما بين طرفي العقد مع ملاحظة أن العلاقة بين البنوك وعملائها تخضع لمبدأ سلطان الإرادة مما يعني أن من حق الأطراف تحديد علاقتهم وفقا لإرادتهم، ماداموا بهذا لم يخرقوا التزاما أو نصا قانونيا لذا سنحاول دراسة أهم التزامات العميل (ثانيا) وذلك بعد التطرق للالتزامات البنك (أولا).

أولا: التزامات البنك تجاه العميل
تترتب على عاتق البنك الضامن في مواجهة العميل (الآمر) عدة التزامات تنساب من جوهر العقه وطبيعته ومن بين هذه الالتزامات نذكر الالتزام بتقديم واجب النصح (أ). الالتزام بإصدار التععهد البنكي (ب)، الالتزام بأخطار العميل قبل الدفع (ج)، الالتزام بعدم الوفاء في حالة المطالبة التعسفية (د) وأخيرا الالتزام برد الغطاء في حالة عدم الوفاء (هـ).
(أ) التزام البنك بتقديم واجب النص للعميل
يتحمل البنك الضامن واجب تقديم النصح والاستشارة لعمليه (الآمر)، وذلك عن طريق إعلامه وإخطاره بمدى الخطورة العملية التي قد تترتب عن بعض أنواع الضمانات التي تتميز بصرامة وتلقائية تنفيدها، وجذب انتباهه للفرق بين الضمانات المستقلة والكفالة.
وقد أبدت محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 26 يناير 1993 هذا الأمر وقضت بان “البنك ملزم بأن يجذب انتباه العميل للفرق بين الكفالات والضمانات المستقلة ومخاطرها”، كذلك قضت محكمة إكس بتاريخ 03 شتنبر 1999 بالتزام البنك بإخطار العميل بطبيعة التعهد وهل يتمثل في كفالة أم ضمان مستقل، مما يعني أن إخلال البنك بهذا الالتزام يعرضه للمسؤولية تجاه العميل، كما لو لم يوضح له مخاطر الضمانات ومبدأ الاستقلال الذي تتميز به .
ويرى الأستاذ محمد الأطرش “أن البنك يتحمل في ظل اعتبارات مهنية محضة بواجب إعلام الزبون وإرشاده حول طبيعة الالتزام بالضمان ومدى إختلافه عن مفهوم الكفالة، وتزداد أهمية هذا الواجب عندما يتعلق الأمر بمقاولات قليلة الدراية بمتطلبات الصفقات التجارية الدولية وما يترتب عن صرامة وخطورة الإلتزامات الناجمة عن الضمانة المستقلة” .
هكذا يتعين على البنك الضامن إحاطة العميل بكل المخاطر التي يمكن أن تترتب عن هذا النوع من الإلتزام وإغفال البنك القيام بهذا الإلتزام يشكل خطأ من جانبه ويعطي للآمر الحق في طلب بطلان التزامه على أساس سكوته الذي يشكل تدليسا.
والجدير بالملاحظة في نهاية هذه النقطة أن واجب الإستشارة قد يضيق أو يتسع تبعا لطبيعة الشخص الآمر وما إذا كان شخصا طبيعيا او اعتباريا، وتبعا لنوع الصفقات المطلوب ضمانها، والصيغة المحررة بها وطبيعة الشروط التي تحويها وما إذا كانت من الشروط المألوفة في عمليات التجارة الدولية أم أنها تشد عنها .

(ب) الالتزام بإصدار التعهد البنكي
يلتزم البنك بمقتضى الاتفاق المبرم فيم بينه وبين الآمر بأن يحرر داخل أجل معقول خطاب ضمان ويبلغه إلى المستفيد. ويترتب عن هذا الإلتزام قيام البنك بعمل مادي يتمثل في تحرير هذا الخطاب ويضمنه كافة الشروط والمقتضيات التي جاءت في خطاب التعليمات الصادرة من الآمر ومتى استحال تنفيذ تعليمات الأمر أو الطرف مصدر التعليمات تعرضت هذه التعليمات للبطلان متى كان الوفاء بالضمان وتنفيذه يتعارض مع قانون بلد الإصدار .
لذا فمتى تعهد البنك بإصدار الضمان محل الإلتزام يلتزم عندئد بما هو وارد في عقد فتح الاعتماد بالضمان المبرم بينه وبين العميل، كذلك يجب احترام مدة الضمان فلا يجوز للبنك الضامن إصدار تعهد بمدة أقل من المدة المتفق عليها وإلا سبب ضررا للمستفيد ويكون سببا في رجوع هذا الأخير على العميل وعدم قبول الخطاب، كما لا يحق له إصدار تعهد بأكثر من المدة المتفق عليها وإلا سبب ضرر للعميل، كذلك يلتزم الضامن باحترام مبلغ الضمان الذي حدده العميل في عقد فتح الاعتماد، بحيث لا يصدر الخطاب بمبلغ أقل مما هو وارد في عقد فتح الاعتماد ولا بمبلغ اكبر مما هو مذكور. ففي الحالة الأولى متى صدر الخطاب بمبلغ أقل فإن ذلك يثير مسؤولية العميل في مواجهة المستفيذ وعندئذ يحق للعميل الرجوع على البنك بالتعويض، أما في الحالة الثانية فمتى صدر الخطاب بمبلغ أكبر فلا يحق للبنك الرجوع بالزيادة على العميل، ومتى نفذ البنك على حساب العميل المجمد لديه بكامل مبلغ الضمان، يكون للعميل عندئذ حق الاسترداد.
كما يلتزم الضامن بإصدار الخطاب لمصلحة المستفيد نفسه المتفق مع العميل وإلا كان ذلك مبررا لإبطال الخطاب لغلط في شخص المستفيد. فالبنك لم يصدر الخطاب لأي شخص وإنما لمستفيد محدد بذاته .
(ج) الإلتزام بإخطار العميل قبل الدفع
تعد من أهم المسائل التي آثارت جدلا واسع النطاق، مسألة مدى التزام البنك بإخطار العميل والرجوع إليه قبل الدفع ومدى ما يقع على البنك الضامن من إلتزام بالإخطار فهل البنك ملزم بإخطار الأمر قبل الوفاء بتقديم المستفيد بمطالبته في هذا الشأن أم أنه يلتزم للمستفيذ دون إعارة أي اهتمام لمصلحة الآمر مادام أن إلتزامه ينص على الدفع بصورة تلقائية ومباشرة؟
ذهبت الفقرة الثانية من المادة 8 من القواعد الموحدة المتعلقة بالضمانات التعاقدية إلى التنصيص على أن البنك “يلتزم عند استلامه المطالبة بالوفاء بإخطار الأمر أو الطرف مصدر معطي التعليمات –حسب الأحوال- وبدون تأخير بهذه المطالبة وكذلك بشكل المستندات، وبما أن القواعد الموحدة المعلقة بالضمانات التعاقدية لا تتمتع بأية صيغة إلزامية فقد تضاربت أحكام القضاء المقارن في هذا الصدد، ولم تستقر على رأي واضح في هذا الشأن .
فهناك من القضاء المقارن من يقضي بالإخطار، ومنه المحكمة المدنية بجنيف والتي قضت بتاريخ 14 مارس 1985 بقولها “لابد من إخطار العميل بالمطالبة منذ استلام طلب الضمان وعدم التنفيذ إلا بعد برهة من الوقت، لكي يسمح للعميل بالتصرف بطريق إجراء وقتي وهذا ينساب من واجب الاخلاص من جانب البنك”.
بخلاف ذلك فقد رفض القضاء الإنجليزي في بعض أحكامه هذا الإخطار، ففي قضية Essal commodites Ltd – Rettor Ltd (v) oriental credit wells Eargo سنة 1985 قضت المحكمة بعدم التزام البنك الضامن بإخطار العميل قبل الدفع والوفاء بقيمة الضمان، فهذا الإخطار يتعارض مع مبدأ استقلال التعهد البنكي .
ولم يكن الفقه أحسن حالا من القضاء حيث انقسم بدوره الى اتجاهين:
فقد ذهب الاتجاه الاول الى ضرورة اخطار العميل قبل الدفع ومنه محمد عبد الحميد الشواربي الذي يرى أنه “يجب على البنك أن يخطر العميل بمطالبة المستفيد قبل أن يدفع إلى هذا الأخير قيمة خطاب الضمان وتبدو ضرورة هذا الإخطار بصورة أوضح كلما كان خطاب الضمان مشروطا حتى يستطيع البنك أن يستوثق من تحقق الشرط او تخلفه”.
أما خليل فكترو تادرس فيرى أنه لا حاجة لإخطار العميل لأن هذا يتعارض مع الصفة الاستقلالية والباتة الضمان لذا غالبا ما يتخذ البنك احتياطه بالنص في عقد فتح الاعتماد بالضمان المبرم بينه وبين العميل على التزامه بالوفاء لدى أول طلب من المستفيد ودون حاجة لإخطار العميل .
(د) الالتزام بعدم الوفاء في حالة الغش أو المطالبة التعسفية
من أهم ما يتضمنه عقد فتح الاعتماد بالضمان هو إلتزام الضامن بعدم الوفاء في حالة المطالبة التعسفية من جانب المستفيد، فمتى كان المستفيد متعسفا في طلبه بأن شاب مطالبته غش أو تعسف يلتزم البنك عندئذ بعدم الاستجابة لمثل هذه المطالبة. فما عدا هذا الضامن ملتزم بالوفاء بحيث لا يمكنه الاعتراض على المستفيد بأي دفوع أو اعتراضات مستمدة من العلاقات الأخرى .
وهذا ما ذهب إليه علي جمال الدين عوض ، الذي يرى أن مبدأ “الغش يفسك كل شيء” مبدأ عالم التطبيق لأن حسن النية يجب أن يسود المعاملات ولأن الغش يجب أن يرتد إلى مرتكبيه، لا أن يكون وسيلة إلى منفعة ولأن خطاب الضمان لا يمكن أن يكون حماية للغش وإنما يلزم أن يتحدد نطاق تطبيق هذا المبدأ بحذر شديد حتى لا يكون وسيلة من الأمر أو البنك للإفلات من احترام التعهد الصحيح، ولذا يقترح الشراح أن يقتصر الرفض على حالات ما يكون الغش ماسا بشروط التنفيذ ذاتها، ومثاله أن يكون المستند المطلوب بالتنفيد والمقدم إلى البنك غير صادق فيما يدعيه ويكون لدى البنك دليل على كذبه، وكذلك التأكيد الصادر من المستفيد بعدم تنفيد الصفقة متى كان هذا التأكيد واضح المخالفة للحقيقة وكان ذلك شرطا في الخطاب لوفاء البنك بتعهده، وكان لدى البنك دليل على كذب المستفيد، في مثل هذه الظروف يكون من حق البنك بل ومن واجبه رفض الوفاء بالخطاب وإلا كان مسؤولا أمام الآمر.
وقد سلمت أغلب الاجتهادات القضائية المقارنة بأن المطالبة بالوفاء بمبلغ الضمان والتي تكتسي طابعا أو صبغة تعسفية أو التي تكون مبنية على الغش تلزم البنك الضامن بالامتناع عن الوفاء وإلا فقد صلاحتيه في الرجوع على الأمر.
وفي هذا الصدد قضت محكمة النقض الفرنسية بتاريخ 05-02-1991 بقولها “إن الغش أو التعسف من طبيعتهما أن يكون عائقين على تنفيذ التعهد لدى الطلب، وأنه متى قام العميل بتأييد هذا الغش فيلتزم الضامن عندئذ بالإمتناع عن الدفع .
وبناء عليه فإنه كلما كانت مطالبة المستفيد تنبني على غش أو تعسف ظاهر فإنه يحق للبنك عندئذ بل ويلتزم بالامتناع عن الوفاء وإلا تحمل مسؤولية ذلك الوفاء غير الصحيح في مواجهة العميل وسقط بالتالي حقه في الرجوع على هذا الأخير.

(هـ) الالتزام برد الغطاء في حالة عدم الوفاء.
إذا كان البنك قد اشترط عند إصداره لخطاب الضمان على عميله بأن يدفع نسبة معينة من هذا المبلغ كغطاء لخطاب الضمان، فإنه يلتزم برد هذا الغطاء إذا لم يقم بالوفاء بقيمة الضمان لعدم مطالبة المستفيد قبل انتهاء مدة خطاب الضمان أو مطالبة الأمر التعسفية وتنبه البنك إلى ذلك ولم يقم بالوفاء.
فإذا كان الغطاء الذي قدمه العميل مالا عينيا مرهونا لصالح البنك ينقضي حق الرهن، ويقوم البنك برد الغطاء دون حاجة إلى مطالبة من العميل، أما إذا كان الغطاء نقدا، رده إليه نقدا، وقيده في حسابه الجاري، وإذا كان أوراقا مالية أو تجارية ردها إليه بعد محور أثر الرهن عليه.
ننتهي مما سبق إلى التزام البنك الضامن بعدة التزامات تشكل حقوقا للعميل، تقابلها التزامات لهذا الأخير في مواجهة البنك وهو ما سنتناوله في النقطة الموالية.
ثانيا: التزامات العميل تجاه البنك
يترتب على قبول البنك إصدار خطاب الضمان طبقا للتعليمات التي طلبها العميل التزام هذا الأخير بتغطية خطاب الضمان (أ)، دفع الحمولات والفوائد (ب)، عدم الاعتراض على الدفع (ج)، وأخيرا الالتزام بدفع قيمة خطاب الضمان (د). .
(أ) الالتزام بتغطية خطاب الضمان
إن أهم ما يقع على عاتق العميل الآمر هو التزامه بتقديم غطاب لخطاب الضمان المراد إصداره، والمقصود بالغطاء الضمانات التي يقتضيها البنك من العميل – عند الاتفاق بينهما على عقد فتح الاعتماد بالضمان- لكي يغطي بها موقفه فيما لو اضطر البنك إلى تنفيذ ودفع قيمة الخطاب إلى المستفيد . ويتوقف مقدار الغطاء على سمعة العميل وثقة البنك، ويقوم البنك بتحريات عن مدى قدرة العميل وإمكانياته بتنفيذ تعهداته قبل المستفيد، ويمثل الغطاء نسبة معينة من قيمة الخطاب قد تصل إلى 100% إذا لم يكن العميل معروفا لدى البنك  ويحدث أحيانا أن يصدر البنك خطاب على المكشوف أي بدون غطاء إذا كان عميله يتمتع بسمعة طيبة ومركز مالي متين ويحتفظ لدى البنك بأموال كثيرة، ويظهر ذلك من نتيجة دراسة البنك لمركز العميل من حيث قدرته على الوفاء بالتزاماته في مواجهة المستفيد ومن حيث سلوكه الخاص وماضيه في تنفيذ المشروعات .
ويتكون الغطاء عادة من تأمينات إما أن تكون شخصية، وإما أن تكون عينية وتكون الصورة الأكثر تداولا في هذا الإطار نقدية، حيث أن الزبون يكون عادة قد فتح حسابا جاريا لدى البنك، وهو ما يسهل على هذا الأخير مهمة الحصول على الغطاء بحيث يكتفي هنا بمجرد تقييد مبلغ الغطاء في جانب المدين من هذا الحساب. أما في الحالة التي لا يكون فيها للعميل حساب مفتوح لدى البنك فإن هذا الأخير يضطر إلى دفع قيمته نقدا لدى خزينة البنك.
وقد يقدم الآمر للبنك أورقا مالية على سبيل الغطاء، بعد ان يتم التأكد من قيمتها الحقيقية في السوق المالية ويقبلها البنك الضامن كغطاء لإصدار الضمانات التي طلبها العميل، هذا الأخير يقر برهنها للبنك ضمانا للوفاء بالتزاماته تجاه البنك، وبهذه الصورة يمنح الآمر للبنك حق بيعها دون الرجوع إليه في حالة تسديد قيمة خطاب الضمان للمستفيد.
وقد درج العمل داخل الممارسة البنكية المغربية على تغطية قيمة الخطاب بمقتضى أوراق تجارية يتم بمقتضاها توقيع الزبون على مستندات اذنية، كمبيالات صادرة لصالحه من مدينه ويظهرها تظهيرا تأمينيا لفائدة البنك .
أما بالنسبة للتكييف القانوني فالغطاء الذي يكون محله أوراق مالية أو تجارية يعد رهنا تجاريا، تنطبق عليه أحكام الرهن التجاري والذي يخضع لمقتضيات المواد من 338 إلى 340 من مدونة التجارة المغربية . أما بالنسبة للنقود فليس ثمة ما يمنع من وجود رهن للبنك على هذه الأموال وهو ما يسمى برهن النقود كتامين لحقوق البنك لدى العميل .
(ب) الالتزام بدفع العمولات والفوائد
بالإضافة إلى إلتزام العميل بتغطية خطاب الضمان يلتزم أيضا بمقتضى فتح الاعتماد بالضمان بأن يدفع للبنك عمولات محددة تبعا للتعريفة المعمول بها في هذا الإطار.
وتصبح هذه العمولات مستحقة بمجرد ما يتم توقيع العقود فيما بين العميل والبنك، وذلك قبل تنفيذ هذا الأخير لإلتزامه تجاه المستفيد، بل إنها قد تستحق حتى قبل إصدار خطاب الضمان لأنها تعد مقابلا للخدمة البنكية التي تعهد البنك بتقديمها وفقا لشروط هذا العقد، غير أن الرأي الراجع يذهب في هذا السياق إلى أن حق البنك في اقتضاء العمولات لا ينشأ إلا من وقت صدور خطاب الضمان إلى المستفيد، أو من وقت إرسال البرقية المتضمنة موافقة البنك على إصدار الضمانة وذلك اعتبارا لما في هذا التصرف من مظهر يعبر عن إرادة البنك في القبول .
وتحسب العمولة في الغالب تبعا للمدة التي يظل خطاب الضمان ساريا خلالها، ويملك البنك الحق في الإمتناع عن إخبار المستفيد بخطاب الضمان إلى ان تدفع العمولة، غير أنه إذا أرسل البنك خطاب الضمان إلى المستفيد فإنه لا يستطيع بعد ذلك الرجوع فيه، استنادا إلى عدم دفع العمولة لأنه بإشعاره ووصوله إلى علم المستفيد يصبح الخطاب ملزما .
وبخصوص موقف الفقه الإسلامي من العمولة فقد ذهب المستشار الشرعي لبيت التمويل الكويتي إلى أنه “إذا وكل العميل البنك في قضاء مصالحه لدى الجهة المضمون لها فيجوز أخذ الأجر على ذلك…” أما فقهاء هيئة الرقابة الشرعية لبنك فصيل الاسلامي المصري فقد أوضحوا انه لا يجوز اصدار خطاب الضمان مقابل عمولة يتقاضاها البنك.
في حين ذهب مجمع الفقه الإسلامي بجدة الى التمييز بين خطابات الضمان التي يقدم فيها العميل مقابل غطاء كامل وهنا تكون العلاقة بين البنك والعميل علاقة وكالة ويجوز أخذ الأجر عليها وبين خطاب الضمان بدون غطاء (ضم ذمة الضامن الى ذمة غيره) وهذا هو حقيقة الضمان أو الكفالة مما لا يجوز أخذ الأجر .
(ج) التزام العميل بعدم الاعتراض على الدفع
من الالتزامات الأساسية التي تقع على عاتق العميل بمقتضى الضمانة المستقلة نجد تعهد هذا الأخير وإلتزامه بعدم الاعتراض على الوفاء أو عرقلته متى قام البنك بوفاء قيمة الضمان وكان على حق في هذا الوفاء، لذا غالبا ما يحتاط البنك الضامن بهذا الصدد وينص على تنازل العميل على الاعتراض على الوفاء وذلك في عقد الاعتماد بالضمان بموافقة هذا الأخير .
ويشكل هذا الالتزام تكريسا لمبدأ الاستقلالية الذي يميز خطاب الضمان، والذي بمقتضاه يتعهد البنك بالوفاء بالرغم من أي اعتراض من جانب العميل في علاقته بالعقد الأساس الذي يربطه بالمستفيد.
وللعميل رغم ما تقدم أن يعترض على سلوك البنك في الدفع إلى المستفيد إذا تجاوز شرط من شروط خطاب الضمان فلم يتأكد مثلا من وقوع اخلال العميل بالتزامه في خطاب الضمان المشروط .
(د) الالتزام بدفع قيمة خطاب الضمان
لعل أهم إلتزام يقع على عاتق الأمر تجاه البنك الضامن هو تعهد العميل بتسديد كل المبالغ المالية التي يكون الضامن ملزما بدفعها للمستفيد تنفيذا لمقتضيات التزامه التي تترتب عن الوفاء لدى أول طلب وتبعا لمقتضيات واشتراطات خطاب الضمان.
ويقوم البنك عادة باستيفاء دينه بهذا الصدد من الغطاء إذا كان شاملا لقيمة ومبلغ الضمانة، أو عن طريق القيد في الحساب الجاري الذي يكون في الغالب للعميل لدى البنك، ويصبح حق الضامن في استخلاص هذه المبالغ بصورة تلقائية حقا مطلقا مالم يخالف الضامن شروط خطاب الضمان الذي يحدد كيفية تنفيذه للالتزام بالضمانة.
ويرى الدكتور محمد جنكل بخصوص اشتراط البنك حصوله مقدما على قيمة الخطاب من العميل قبل أن يطالبه به المستفيد، أنه لا يعد طلبا مجحفا رغم سلامة مركز العميل ذلك إن خطابات الضمان تعد من العمليات الإئتمائية البنكية غير المباشرة، أي إنها عملية لا يتطلب إصدارها سوى إلتزام البنك بالتوقيع دون أن يقدم أو يضع رهن إشارة العميل مبالغ نقدية معينة.
ومن جهة أخرى يعتبر هذا الاشتراط قبل مطالبة المستفيد بقيمة الخطاب هو تحصيل حاصل، مادام أن البنك إذا دفع للمستفيد قيمة الخطاب يصبح العميل الآمر ملزما برد هذه القيمة إليه مادامت البنوك تشترط لإصدار مثل هذه الخطابات تقديم غطاء لهذه القيمة، وبالتالي فإن هذا الغطاء يكيف في الغالب الأعم على أنه قيمة خطاب الضمان المشترط تقديمها قبل مطالبة المستفيد بها .

المطلب الثاني: علاقة البنك بالمستفيد
إن التزام البنك تجاه المستفيد نتيجة حتمية للإتفاق الذي يقوم فيما بين البنك وعميله. وذلك ما لم يقبل الضامن إصدار الضمانة ويتجسد هذا القبول في قيام البنك بإصدار خطاب الضمان وتبليغه وإرساله إلى المستفيد يتعهد فيه بدفع مبلغ الخطاب خلال مدة سريانه ولو اعترض العميل على الدفع.
وحتى نتمكن من الإحاطة بالعلاقة التي تربط الضامن بالمستفيد سنحاول تكييفها (الفقرة الأولى) وتحديد التزامات الاطراف بخصوص طلب تنفيذ الضمان (الفقرة الثانية) على أن نحاول إبراز أثر مبدأ الاستقلالية على علاقة البنك الضامن بالمستفيد (الفقرة الثالثة).
الفقرة الأولى: تكييف العلاقة بين البنك والمستفيد
يرتبط المصرف مع المستفيد بعلاقة أساسها خطاب الضمان ذاته سواء أكان مشروطا أو غير مشروط وتنفيذ شروط هذا الخطاب يقع على عاتق المستفيد باعتباره طرفا في خطاب الضمان لأن العميل ليس طرفا في هذا الخطاب، ولا يستطيع وقفه إذا استوفى شروطه لأن العلاقة بموجبه صارت مباشرة بين المستفيد والمصرف وفقا لبنوده وشروطه.
وقد اختلفت الآراء في تكييف العلاقة بين البنك الضامن والمستفيد
فهناك من اعتبر التزام البنك هو عقد ملزم لجانب واحد، وأساس الالتزام هو الاتفاق الذي يربطه بالمستفيد، لذا يحتاج الآمر إلى قبول من جانب المستفيد، ولكن لا يخضع هذا القبول لأي شكل خاص وإنما يستنتج من مجرد سكوت المستفيد باستيلام إخطار من الضامن لإصدار الضمان والتزامه بدفع ووفاء قيمة الضمان، وبعبارة أخرى هذا القبول قد يكون ضمنيا يستفاد من وصول الخطاب إليه وعلمه به وسكوته عن الاعتراض على عنصر أو جزء منه.
في هذا الصدد يقول “سيملر” يترتب على كونه (خطاب الضمان) عقدا ضرورة وجود قبول غير مشوب بعيب من العيوب كالغلط والتدليس والإكراه، فالضمان يخضع لقانون العقود .
كما ذهب الدكتور علي جمال الدين عوض إلى أن إصدار الخطاب يعتبر إيجابا يجب أن يلحقه قبول من جانب المستفيد إلا أن هذا القبول قد يكون ضمنيا فيكفيه السكوت.
ومن بين الأحكام القضائية التي أيدت هذا الاتجاه نجد محكمة النقض الفرنسية التي ذهبت في تاريخ 02-02-1988 إلى أن العلاقة بين البنك والمستفيد هي عقد وليس التزاما بإرادة منفردة كما ذهبت ذات المنحى محكمة باريس بتاريخ 26-05-1989 وانتهت إلى تكييف العلاقة على أنها عقد .
وبخلاف هذا الاتجاه الذي يعتبر خطاب الضمان عقدا ملزما لجانب واحد، ذهبت اتجاهات أخرى الى اعتباره التزاما من جانب البنك بإرادته المنفردة، ومنهم هاني محمد دويدار ذهب إلى أن “حال العملية تشير إلى أن المستفيد لا يقع على عاتقه أي التزام في مواجهة البنك، في حين أن البنك يكون ملتزما بالوفاء بالمبلغ الثابت في خطاب الضمان، متى تحققت شروط الوفاء، فإذا كان التزام البنك قائما بمجرد صدور خطاب الضمان ويكون مستقلا عن علاقة العميل بالمستفيد أو عن علاقة البنك بالعميل فإن البنك يكون ملتزما في مواجهة المستفيد بإرادته المنفردة” .
وهو ما ذهبت إليه الدكتورة سميحة القليوبي ، التي ذهبت إلى أن التزام البنك الناشئ عن خطاب الضمان قبل المستفيد يتميز بكونه التزام بإرادته المنفردة الشيء الذي يترتب عليه نتيجتين هامتين:
*النتيجة الأولى هو أنه لا يشترط أن يقبل المستفيد الخطاب بل يكفي أن يصل إلى علمه حتى يتأكد حقه عليه…
*النتيجة الثانية وهي أن التزام البنك بإرادته المنفردة يجعله التزاما باتا ونهائيا بمجرد إصداره ووصوله إلى علم من وجه إليه…
وقد أيدت هذا الاتجاه المحكمة الإدارية العليا بمصر بتاريخ 09-01-1990 وذهبت إلى أنه “يتميز إلتزام البنك الناشئ عن خطاب الضمان، قبل المستفيد بأنه التزام ناشئ عن إرادته المنفردة وهو أمر مستقل عن علاقة العميل بالمستفيد أو علاقة البنك بالعميل …” .
وتجدر الإشارة في نهاية هذه النقطة أن اتفاقية الأمم المتحدة لسنة 1995 وكذا غرفة التجارة الدولية لم تحدد موقفها بخصوص مسألة تكييف خطاب الضمان.
الفقرة الثانية: طلب التنفيذ
لا تنفذ قيمة خطاب الضمان بصفة تلقائية بل يتعين على المستفيد أن يطالب بهذه القيمة بصفة شخصية أو بواسطة وكيل خاص ذلك أن خطاب الضمان يصدر باسم مستفيد معين، بمعنى أن الشخص الذي يحق له الإستفادة منه هو الشخص الذي يدرج اسمه فيه فالبنك الذي يصدر الخطاب يتعهد بالوفاء لشخص محدد بالذات، ويترتب على ذلك أن هذا الخطاب لا يجوز للمستفيد تظهيره إلى أحد من الغير.
وقد ذهبت محكمة النقض الفرنسية إلى تأييد حق البنك الضامن في رفض دفع مبلغ الخطاب لمحامي المستفيد مادام لا يتوفر على وكالة خاصة ومريحة .
حتى يتمكن البنك من الوفاء بخطاب الضمان لابد أن يحترم المستفيد الشروط الواردة في الخطاب، فيلتزم بتبرير طلبه في حالة خطاب الضمان لدى أول طلب مبرر ويقدم طلبه مصحوبا بالمستندات في حال خطاب الضمان المستندي.
كما يجب على المستفيد أن يقدم طلبه داخل المدة المحددة، وإلا سقط ضمان البنك تلقائيا إذا لم تصل المطالبة بالتنفيد حتى نهاية التاريخ المحدد.
ومقابل ذلك يلتزم البنك الضامن بالوفاء بمبلغ الضمان خلال الأجل المحدد أو حالا وذلك حسب مقتضيات خطاب الضمان، ودون أن يعارض أو يناقش هذا الأداء وإلا تحمل المسؤولية في مواجهة المستفيد. على أنه إذا كان البنك ملزما بالدفع دون إبداء أي مناقشة أو اعتراض فإنه في المقابل ملزم بفحص مدة الخطاب غير المنتهية، وتقديم المستندات والآداء المسبق والتأكد من أن القيمة المطلوب أدائها هي المحددة في خطاب الضمان ويعتبر هذا الفحص إجراءا شكليا يقوم به البنك الضامن تلقائيا .
الفقرة الثالثة: أثر مبدأ الإستقلالية على علاقة البنك الضامن
بالمستفيد
لقد سبق القول إلى أن خطاب الضمان وإن صدر تنفيذا للعقد المبرم بين البنك والعميل المتعامل معه إلا أن علاقة البنك بالمستفيد الذي صدر خطاب الضمان لصالحه هي علاقة منفصلة عن باقي العلاقات السابقة عليها، الشيء الذي يترتب عليه عدم جواز تمسك البنك بالدفوع المستمدة من العلاقة الأصلية (أولا)، أو تلك المستمدة من علاقة العميل بالبنك (ثانيا)، لكن البنك يستطيع بالمقابل أن يتمسك بالدفوع الناشئة عن علاقته بالمستفيد ذاته (ثالثا).
أولا: عدم التمسك بالدفوع المستمدة من العلاقة الأصلية
ارتكازا على حرية الأطراف في ترتيب اتفاقاتها تبعا لما يحقق مصالحها وطبقا لما يحدده خطاب الضمان نفسه، فإن البنك يتنازل صراحة عن التمسك بأي دفوع مستمدة من علاقة الآمر بالمستفيد لهذا يظل التزام البنك الضامن قائما ولو أبطل العقد الأساسي أو تم فسخه. فلا يجوز للبنك أن يرفض ويمتنع عن تنفيذ التزامه مادام أن المستفيد قد قدم مطالبة بشكل نظامي تتفق وما يستلزمه خطاب الضمان بمقتضياته .
كما لا أثر على التزام البنك على الابراء السابق من المستفيد إلى العميل ولا يجوز للبنك الإمتناع عن الدفع للمستفيد بناء على أسباب يبديها العميل تبرأ ذمته قبل المستفيد.
ويبرر القضاء قاعدة عدم جواز التمسك بالدفوع في مواجهة المستفيد بأن الدفوع سواء كانت شخصية أو مرتبطة بالدين الأصلي والناشئة عن العلاقة الأصلية يمكن حلها او وضع حد لها بواسطة أطراف العقد الأصلي وبالتالي لا يمكن أن تثار من طرف البنك الضامن .
ثانيا: عدم التمسك بالدفوع المستمدة من علاقة العميل بالبنك
بعد إصدار خطاب الضمان ينشأ حق المستفيد تجاه البنك ويصبح التزامه قطعيا ولا يجوز الرجوع فيه، فالتزام البنك بتقديم الضمانة ينشأ بمقتضى العلاقة التي تربطه بالآمر. أما التزامه بالوفاء فينشأ بمقتضى خطاب الضمان وصدوره وتبليغه إلى المستفيد، فهذا المحرر (خطاب الضمان) هو الذي يحمل تعبير البنك عن التزامه بالوفاء وكيفية تنفيذه.
وعليه فإن البنك الضامن لا يملك الحق في إثارة الدفوع الناشئة عن علاقته بالعميل الآمر في مواجهة المستفيد وذلك كالدفع بعدم دفع العمولة من طرف العميل أو بطلان العقد المبرم بينهما أو رفضه تغطية خطاب الضمان.
ثالثا: تمسك البنك بالدفوع الناشئة من علاقته بالمستفيد ذاته
إن استقلال التزام البنك لا يمنعه من التمسك في مواجهة المستفيد بالدفوع الناشئة عن إرادته المنفردة، ذلك أن إرادة البنك يجب أن تكون خالية مما يعيبها وأن يكون محل وسبب الإلتزام مستجمعين للشروط اللازمة، فإذا وقع البنك في غلط في شخصية أو انعدمت إرادته بأن صدر الخطاب بتوقيع مزور فإن للبنك التمسك في مواجهة المستفيد بما وقع فيه من غلط أو بانعدام إرادته، وليس هذا ماسا بخاصية استقلال والتزام البنك ذلك أن هذه الدفوع ناشئة عن العلاقة المباشرة المترتبة عن إصدار خطاب الضمان .
في مقابل ذلك لا يستطيع البنك التمسك بالمقاصة لدين له قبل المستفيد من الخطاب فإذا فرض وتوافرت شروط المقاصة بين دين على المستفيد للبنك وقيمة خطاب الضمان فلا يمكن للبنك أن يتمسك بذلك إلا بعد أن تحقق ملكية هذه المبالغ التي يمثلها الخطاب للمستفيد .

المطلب الثالث: علاقة العميل بالمستفيد
يعتبر عقد الأساس أو العقد الأصلي الذي ينظم علاقة العميل بالمستفيد هو حجر زاوية خطاب الضمان ذلك أن عقد الأساس هو أصل الضمان وسبب التزام العميل باستصدار خطاب ضمان بنكي لمصلحة المستفيد. وإلتزام العميل بصدد خطاب الضمان هو التزام بتحقيق نتيجة وليس ببذل عناية أي أنه يسأل في مواجهة المستفيد متى لم يستطع استصداره لهذا وحتى نتمكن من فهم هذه العلاقة لابد من البحث عن ماهيتها وكنهها (الفقرة الأولى) ومدى تأثيرها على تنفيذ خطاب الضمان (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: ماهية العلاقة بين العميل والمستفيد
تعد العلاقة بين العميل (الآمر) والمستفيد هي نقطة البداية لكل عملية ضمان، ففي عقد الأساس كثيرا ما يشترط المستفيد تقديم ضمان بنكي من جانب العميل، وكثيرا ما ينص أطراف عقد الأساس أو ما يسمى (بالعقد الجوهري) على بعض البنود المتعلقة بالضمان البنكي، وقد بين Thierry Bonneau أهمية عقد الأساس بقوله “بالإضافة الى أنه سبب التعهد ذاته إنه أصل الضمان وفيه التزام العميل باستصدار ضمان لمصلحة المستفيد وفيه كذلك نص الأطراف على عناصر الضمان المراد إصداره من حيث مدته ومبلغه…” .
والواقع أن العلاقة بين العميل (الآمر) والمستفيد قد تتنوع وتتخذ أشكالا متعددة وذلك حسب العقد المبرم بينهما. فقد تكون علاقة عقدية مثل حالة صدور خطاب الضمان النهائي أو خطاب ضمان حسن تنفيذ أو ضمان الدفعات المقدمة، ومثالها المقاولون عندما يتعاقدون مع الجهات الإدارية والخاصة لتنفيذ مشاريع معينة، وقد تكون تمهيدا للتعاقد كحالة تقديم العطاء مصحوبا كخطاب ضمان ابتدائي. وقد تكون تنظيمية لخطاب ضمان المحاسب والجبائي مع جهته الإدارية (…) .
والعميل مدين بمبلغ التأمين للمستفيد فإذا قدمه إليه برئت ذمته من هذا الالتزام. وكذلك إذا قدم خطاب الضمان بدلا من التأمين وقبله المستفيد تبرأ ذمته قبله ويصبح البنك هو المدين به. ويعتبر التأمين الذي يقدمه العميل إلى المستفيد رهنا للنقود المقدمة يعرف بالرهن الناقص، وبمقتضاه يتملك المستفيد النقود ويلتزم برد قيمتها إذا استوفى حقه، فإذا لم يستوفي حقه كان له أن يتمسك في مواجهة العميل بالمقاصة بين حقه وبين النقود المرهونة .
وإذا كان الوضع الغالب هو إبرام عقد الأساس بين العميل والمستفيد وقيام الأول بتنفيذ التزاماته المنسابة من هذا العقد باعتباره الملتزم الأول عن إنجاز وتنفيذ هذا العقد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو مدى تأثير صعوبة تنفيذ عقد الأساس على تنفيذ خطاب الضمان؟
الفقرة الثانية: مدى تأثير صعوبة تنفيد عقد الأساس على خطاب
الضمان
قد يثور نزاع بين المقاول (العميل) وصاحب المشروع (المستفيد) فيخشى المقاول أن يطلب رب العمل من البنك دفع قيمة الخطاب إليه، وهو إن فعل فالبنك سيدفع له حتما، وقد يصعب بعد ذلك على العميل استرداد المبلغ لأن ذلك لن يكون إلا باتخاذ الاجراءات القضائية المعقدة.
وكما هو معلوم فمبدأ الاستقلالية يمنع على العميل معارضة وفاء البنك لقيمة خطاب الضمان، كما أن هذا الأخير غالبا ما ينص في خطاب الضمان على أنه يدفع رغم أية معارضة من جانب العميل ،
في هذا السياق يرى البعض  أنه إذا ثار نزاع حول مدى تنفيذ عقد الأساس وخشي العميل أن يطالب المستفيد المصرف بقيمة خطاب الضمان فليس له أن يطلب توقيع الحجز التحفظي على خطاب الضمان أو إيداعه لدى خزينة المحكمة أو إيقاف صرف قيمته حتى يفصل النزاع الذي بينه وبين المستفيد لما ينطوي عليه من تعطيل لوظيفة خطاب الضمان وهي حلولها محل النقود في الوفاء وإهدار للطمأنينة المستمدة منه كوسيلة من وسائل الائتمان.
وفي نفس السياق يرى جمال الدين عوض  أنه لو سلمنا للعميل بالحجز القضائي على حق رب العمل الناشئ له من الخطاب فكأننا مكناه من تعطيل الميزة الكبرى التي ينشئها الخطاب، وهي اطمئنان رب العمل إلى دفع البنك فورا وبمجرد طلبه ولأصبح نظام خطاب الضمان ضعيف الأثر، ومع ذلك فالقول بمنع الحجز مطلقا قد يؤذي العدالة أحيانا إذا كان رب العمل غير أمين، لذلك يمكن القول أنه يجوز الحجز على المقاول تحت يد البنك على حق رب العمل (المستفيد) بقيمة الخطاب، شرط أن يتحقق القضاء بأن المقاول حقا مؤكدا في التعويض ضد رب العمل ولو لم يصدر به حكم بعد، مثال ذلك إذا رسا العطاء على المقاول ثم بادر رب العمل فأعطى العملية إلى مقاول أخر فلا شك في مثل هذا الفرض أن للمقاول حقا في التعويض ضد رب العمل وله أن يخشى أن يلجأ رب العمل إلى مطالبة البنك بتنفيذ خطاب الضمان مع أنه لم يعد له مبرر.
ويعتبر الغش من الحالات التي يمكن فيها للعميل أن يطلب من المحكمة الحجز على مبلغ الضمان وذلك انطلاقا من القاعدة الشهيرة التي تقضي بأن “الغش يفسد كل شيء”.
خطاب الضمان البنكي



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *