يلاحظ أن المشرع عند خلعه للوصف الجنائي على جرائم الإيذاء العمدية والعقاب عنها قد اعتد بالنتيجة التي تترتب عن النشاط المؤدي الصادر من الفاعل وأهميته ومن ثم فقد اعتبر بعض هذه الجرائم مكونة لجناية من الجنايات والبعض الآخر مكونا لجنحة من الجنح في حين اعتبر بعضها مشكل لمخالفة فقط هذا من حيث الوصف الجنائي أما من حيث العقاب فيلاحظ أنه اخذ بعين الاعتبار الظروف التي قد تلابس ارتكاب مختلف هذه الجرائم فشدد العقاب أو خففه بحسب هذه الظروف.

إلا أن الملاحظ كذلك هو أن الظروف […]

جرائم القتل في القانون الجنائي المغربي – بحث جامعي وإحصائيات
الفصل الثالث: الضرب والجرح المفضي إلى الموت
المبحث الثاني : العقوبة والأعذار المخففة والظروف المشددة لجريمة الضرب والجرح المفضي إلى الموت .
[…]  المشددة تتعلق بكل جريمة على حدة في حين أن أسباب التخفيف تنطبق على كل هذه الجرائم بدون تمييز ولخصوصية موضوعنا سوف نتطرق لعقوبة جريمة الضرب والجرح المفضي للموت وأسباب التخفيف و ظروف التشديد الخاصة بها.

المطلب الأول : العقوبة وظروف التشديد
جاء في المادة 403 من القانون الجنائي ” إذا كان الجرح أو الضرب أو غيرهما من وسائل الإيذاء أو العنف قد ارتكب عمدا ولكن دون نية القتل ومع ذلك ترتب عنه الموت فإن العقوبة تكون السجن من عشرة إلى عشرين سنة … “
وفي حالة سبق الإصرار والترصد أو استعمال السلاح تكون العقوبة السجن المؤبد ” .

يتضح من خلال ما سبق أن المشرع عاقب على هذه الجريمة بالسجن من عشر سنوات إلى عشرين سنة لكنه عاقبها بعقوبة القتل البسيط-وهي السجن المؤبد- إذا توفر سبق الإصرار والترصد او استعمال السلاح هذا إذا كان الجان ليس فرعا للمجني عليه أما إذا كان فرعا له فإن عقوبة الجريمة في حالتها العادية هي السجن من عشرين إلى ثلاثين سنة أما إن هي اقتربت بسبق الإصرار أو الترصد أو استعمال السلاح فتكون العقوبة هي السجن المؤبد ونجد أن سبق الإصرار والترصد ظروف راجعة إلى خطورة الجاني وقد نصت على اعتبارهما ظرفين مشددين في جرائم الضرب والجرح وباقي وسائل الإيذاء المواد 400و401 و402 و403 و404 التي تضمنت كيفية رفع العقوبة فيها عند توفر أحدهما وهناك ظروف راجعة إلى صفة في الجاني ونصادف من بين هذه الحالات صفة موظف عمومي فقد نصت المادة 231 على أن ” كل قاض او موظف عمومي أو أحد رجال أو موظفي السلطة أو القوة العمومية …” وصفة كون الجاني أصلا للمجني عليه أو له سلطة عليه أو مكلفا برعايته في رب أسرة على أشخاص فأجاهم بمنزله وهم في حالة اتصال جنسي غير مشروع ” إن العذر في هذه الحالة مقرر بسبب الاستفزاز الذي تحدثه الجريمة المرتكبة داخل المنزل العائلي بالإضافة إلى الدفاع عن سمعة العائلة .

ونحن نساير ما ذهب إليه الأستاذ الخمليشي الذي يرى بأن تخصيصه برئيس العائلة بيد ومجرد تقليد من القانون المغربي فهل الأخ مثلا إذا فاجأ ( أخته متلبسة بجريمة عرض داخل المنزل يختلف انفعاله وحقه في الدفاع عن سمعته العائلة بحسب ما إذا كان هو رئيس العائلة أو إذا كان أبوه ما يزال هو رئيس العائلة ؟
ولقيام هذا العذر يجب أن يتحقق عنصر المفاجأة لديه بأن كان لا يتوقع ما رآه إطلاقا وأن يرتكب الجريمة حال مباغتته بما رأى أما إذا لم يرتكبها إلا بعد انتهاء المفاجأة وهدوء أعصابه فإن حالة الاستفزاز التي تتولد عادة عن هول المفاجأة وهدوء أعصابه فإن العذر غير قائم في حقه .
ولقد سبق أن تطرقنا بتفصيل لمجموعة هذه الشروط عند دراستنا للأعذار المخففة لجريمة القتل العمدية.
وهناك عذر آخر نص عليه المشرع في المادة 421 من ق ج الذي جاء فيه :” يتوفر عذر مخفف للعقوبة في جرائم الضرب والجرح إذا ارتكبت ضد شخص بالغ عند مفاجأته متلبسا بهتك عرض بعنف أو دون عنف على طفل دون الثانية عشر … ”
والواقع أن مرتكب الجرح أو الضرب في هذه الصورة يكون في حالة دفاع شرعي لأن وجود العنف أو صغر الضحية الذي يكون هتك العرض خطرا على سلامته تتحقق معه حالة الدفاع عن النفس .

ولعل المشرع قصد حالة هتك العرض بدون إحداث جروح أو آفات جسيمة فتكون الجريمة المتلبس بها مجرد هتك عرض والقانون لا يقرر الدفاع الشرعي إلا أنه إذا كان مرفقا بعنف أو كان يشكل خطرا على السلامة الجسمية أو الصحية للضحية فإن الدفاع يكون ذاك على النفس وليس على العرض بمفرده . ونلاحظ أن المشرع اشترط في الشخص المضبوط أي المعتدى عليه بالضرب أو الجرح بالغا وكلمة البلوغ هذه التي أتى بها النص جاءت مطلقة ويمكن الاختلاف حول المقصود منها أهو البلوغ الجنسي؟ أو النضج العقلي ؟ أو ضرورة بلوغه السن التي تجعله مسؤولا جنائيا؟ في جرائم الضرب والجرح أو الحرمان من التغذية او العناية المرتكبة ضد طفل يقل عمره عن 12 سنة ( م 411) ، وصفة كون الجاني أحد أصول المجني عليه أو فروعه فقد نص المشرع على ذلك في المادة 296 :” من قتل أصوله عمدا يعاقب بالإعدام ” أو زوجه او المستحق في ميراثه أو من له سلطة عليه أو المكلف برعايته إذا كانت وسيلة الاعتداء مادة ضارة بالصحة ( م 414) . وصفة كون الجاني أصلا للمجني عليه أو له سلطة عليه أو مكلفا برعايته في جرائم الترك أو التعريض للخطر المرتكبة ضد الأطفال العاجزين عن حماية أنفسهم بسبب حالتهم الجسمية او العقلية ( م 460 و 462 ) وهناك أيضا ظروف راجعة إلى وسيلة الإيذاء ولقد عرفت المادة 303 من القانون الجنائي السلاح كما يلي: ” يعد سلاحا في تطبيق هذا القانون جميع الأسلحة النارية والمتفجرات وجميع الأجهزة والأدوات والأشياء والواخزة او الراضة او القاطعة إلا أن الخناجر المستعلمة للزينة سواء سميت خناجر أو كميات معلقة في حمالة وكذلك سكاكين ومقصات الجيب والعصي فإنها لا تعتبر سلاحا إلا إذا استعملت القتل أو الجرح أو الضرب أو التهديد” . ويلاحظ من الناحية العملية أن النيابة العامة كثيرا ما تتجاوز عن المتابعة بظرف استعمال السلاح إذا كانت الأداة المستعلمة ليست سلاحا ناريا او أداة قاطعة مثل الحجر العصي وما ماثلهما .

المطلب الثاني : الأعذار المخففة
تعرض القانون الجنائي في المواد من 416 إلى 421 لحالات من الأعذار القانونية المخففة في جرائم الضرب والجرح.
والملاحظ أن أغلب هاته الحالات تشترك مع الأعذار المخففة للعقوبات في جرائم القتل العمدية وقد تعرضنا لثلاث حالات منها عند الكلام على جريمة القتل وهي المنصوص عليها في المواد 416 و 417 و 418 تتضمن حالات الجرح أو الضرب المرتكب في حالة الاستفزاز . او لدفع تسلق أو كسر نهارا أو الذي يرتكبه الزوج أثناء مفاجأته لزوجته متلبسة بجريمة الخيانة الزوجية.
وبالإضافة إلى ذلك نصت المادة 420 على توفر العذر المخفض للعقوبة ” جرائم الجرح والضرب دون نية القتل حتى ولو نشأ عنها الموت إذا ارتكبها ونحن نتفق مع الأستاذ أبو الفتوح الذي يرى أنه من غير المعقول اعتبارها تعني سن المساءلة الجنائية على أساس أن ما لحقه ليس عقوبة تطاله ويرى أن الأولى اعتبار المقصود من كلمة ( البلوغ) هو البلوغ الجنسي .
ورغم أن المشرع اشترط أن يقع هتك العرض على الطفل فإن العذر يتوفر أيضا إذا وقع الهتك على طفلة أنثى سنها أقل من 12 سنة وكذلك ورغم تعبير المشرع عن الهاتك للعرض بكلمة ” شخص” مما يوحي بأنه يجب أن يكون ذكرا فإن المضبوط متلبسا بجريمة الهتك يمكن أن تكون امرأة بالغة وإن كان الغالب عملا أن يكون رجلا .
وأخيرا تجب الإشارة إلى أنه لكي يتوفر هذا العذر المخفف يجب أن تكون سن المهتوك عرضه أقل من 12 سنة سواء كان الهتك للعرض بالعنف او بدونه أما إذا كانت سنه اكثر من 12 سنة فإن العذر لا يقوم إلا إذا ترافق مع العنف .
بقيت الإشارة في الأخير إلى انه في حالة توافر أحد الأعذار القانونية السابقة فإن العقوبة تخفض في جريمة الضرب والجرح المفضي إلى الموت من سنة إلى خمس سنوات في الجنايات المعاقب عليها بالإعدام او السجن المؤبد .

وجدير بالتنبيه إلى أن الأعذار القانونية التي تستوجب تخفيض العقوبة قررها المشرع حالة الاستفزاز التي تتولد لدى الحاصلة له عندما يرتكب الإيذاء بوسيلتين هما الجرح أو الضرب دون غيرهما من صور الإيذاء ، ومن ثم فلا يعتبر معذورا ولو جزئيا بأحد الأعذار السابقة وفي الحدود التي تقررها ومن يعطي موادا ضارة بالصحة للمجني عليه أو يحبسه في أحد الأماكن ويمارس التعذيب النفسي عليه لأن هذا النوع من الإيذاء يرتكب عن إصرار ويعد انتقاما لا يجوز أن يكون موته معذورا عنه قانونيا، ولأن المشرع لما عذر عن واقعة الجرح والضرب فإنما ذلك كان مراعاة منه لحالة الجاني النفسية المضطربة بسحب حالة الاستفزاز التي تولدت لديه وعلى كل حال فإن توافر العذر القانوني المخفف للعقوبة يلزم معه وجوب الحكم بعقوبة جنحية بذل العقوبة الجنائية ومع ذلك فإن جناية الإيذاء العمدية المعتبرة قانون جناية لا يتغير وضعها بسبب تخفيف العقاب بالوجود عذر مخفض بل تظل مع ذلك جناية عملا بالمادة 112 التي تقرر بأن نوع الجريمة لا يتغير إذا حكم بعقوبة متعلقة بنوع أخر من أنواع الجرائم بسبب تخفيف أو لحالة عود ويترتب عما سبق أن يبقى الاختصاص معقود للغرفة الجنائية بمحكمة الاستئناف وليس للمحكمة الابتدائية كما يجوز للمحكمة أن تحكم بالمنع من الإقامة على الجاني من خمس سنوات إلى عشر إلا أن استبدال المشرع لعقوبة جنائية الإيذاء العمدي بعقوبة جنحية تترتب عنها بعض النتائج ، ومن أهمها أن الغرفة الجنائية يمكن أن تأمر بوقف تنفيذها ( طبقا للمادة 55 ف ج ) كما أن النزول بالعقوبة إذا أن المحكمة تمتع المتابع بظروف التخفيف القضائية – يسري عليه الفصل 149 ق ج الخاص بالعقوبات الجنحية وليس الفصل 147 الذي ينظم كيفية النزول بالعقوبة في الجنايات .
ولما كانت جريمة القتل من أخطر الجرائم وأشنعها على الإطلاق فإن التحسيس بخطورتها ورصد أسبابها والعوامل المؤدية إليها ينطوي على فائدة علمية وعملية لا جدال فيها . ومما يستدعي الموضوع من بحث وتقصي ودراسة تبين لنا أن جرائم القتل هي نتاج عوامل متعددة ترجع بالأساس إلى عوامل اجتماعية واقتصادية.

فالعوامل الاجتماعية تتمثل في الظروف التي تحيط بالشخص مند فجر حياته وتتعلق بعلاقاته بغيره من الناس في جميع مراحل حياته وارتباطه بهم بنوع وثيق من الروابط مؤثر في سلوكه إلى حد بعيد.
أما العوامل الاقتصادية فهي كذلك تشكل أحد العوامل التي تدفع البعض إلى ارتكاب الجريمة بحيث كثيرا ما يكون العامل الاقتصادي دافعا إلى ارتكاب جرائم الاعتداء على الأشخاص وتفسير ذلك أن الذائقة المالية التي يعاني منها بعض الناس يترتب عليها توتر الشخص وقلقه من المستقبل الأمر الذي يدفعه إلى ارتكاب الجريمة نتيجة الحاجة وهذه الحاجة راجعة بالأساس إلى عاملين أساسيين هما الفقر والحرمان والبطالة وهو ما ينعكس سلبا على سياسات الدولة بخصوص محاربة الجريمة إذ ينتج من هذه العوامل ارتفاع في عدد المسجونين إثر قيامهم بأعمال مخالفة للقانون ومما يؤثر على القذرة الاستيعابية للسجون . فقد أشار آخر تقرير سنوي حول وضعية السجون بالمغرب لسنة 2003 إلى الأعداد المهولة للسجناء المتابعين بجرائم الاعتداء على الأشخاص والملاحظ من خلالها أن نسبة الذكور تفوق نسبة الإناث.
باقي أجزاء البحث في : قائمة البحوث الجامعية